
أُلقيت يوم الجمعة، الثاني عشَر من شهر ذي الحِجة، سنة سبع وأربعين وأربع مئة وألف من الهجرة، في المسجد النَّبويِّ.
مترجمة إلى: ٤٢ لغة
الإنجليزية – English الفرنسية – Français الأوردية – اردو الإندونيسية – Bahasa Indonesia الفارسية – فارسى التركية – Türkçe الروسية – русский البنغالية – বাংলা الصينية – 中文 الأسبانية – Español الألمانية – Deutsch الإيطالية – Italiano البرتغالية – Português هوسا – Hausa الهندية – हिन्दी الطاجيكية – тоҷикӣ المليبارية – മലയാളം الماليزية – Bahasa Melayu الألبانية – Shqip السواحلية – Kiswahili التاميلية – தமிழ் السويدية – svenska الكازاخية – Қазақ الفلاتية – Fulfulde الفيتنامية – Vietnamese الأمهرية – አማርኛ النيبالية – नेपाली भाषा بشتو – پښتو التايلندي – Thai الجورجية – ქართული اليابانية – 日本語 الكورية – 한국어 التيلجو – తెలుగు الأوزبكية – Oʻzbekcha الكردية – Kurdî البوسنية – Bosanski الأوكرانية – Українська الجاوية – Basa Jawa الأويغورية – ئۇيغۇرچە الصومالية – Af-Soomaali الفنلندية – Finnish الفلبينية – Tagalog
إنَّ الحمدَ للَّه، نَحمدُه ونَستعينُه ونَستغفرُه، ونَعوذُ باللَّهِ من شرورِ أنفسِنا ومن سيِّئاتِ أعمالِنا، مَنْ يَهْدِه اللَّهُ فلا مُضلَّ له، ومَنْ يُضْلِلْ فلا هَاديَ له، وأشهد أن لا إله إلَّا اللَّهُ وحدَه لا شريك له، وأشهد أنَّ مُحَمَّداً عبدُه ورسولُه، صلَّى اللَّهُ عليه وعلى آله وأصحابه وسلَّم تسليماً كثيراً.
أمَّا بعدُ:
فاتَّقوا اللَّه – عبادَ اللَّه – حَقَّ التَّقوى، وراقبوه في السِّرِّ والنَّجوى.
أيُّها المسلمون:
تفضَّلَ اللَّهُ على خلقه بتنوُّع العبادات؛ منها ما هو باطنٌ في القلب، ومنها ما هو ظاهرٌ على الجوارح، وأركان الإسلام والإيمان مدارُها على ذلك، ولحظاتٌ ويعود الحجيجُ من بيت اللَّه الحرام والمشاعر، بعد أداء أطول عبادةٍ بدنيَّة دقيقة؛ لذا استأمن النبيُّ صلى الله عليه وسلم عليها أعلَمَ الصحابة وأفقَهَهم أبا بكر الصِّديق رضي الله عنه؛ لِيُعلِّم الناس مناسك الحج وما يشكل عليهم، قال شيخ الإسلام رحمه الله: «وَقَدِ اسْتَعْمَلَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم أَبَا بَكْرٍ عَلَى أَوَّلِ حَجَّةٍ حُجَّتْ مِنْ مَدِينَةِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، وَعِلْمُ المَنَاسِكِ أَدَقُّ مَا فِي العِبَادَاتِ، وَلَوْلَا سَعَةُ عِلْمِ أَبِي بَكْرٍ بِهَا لَمْ يَسْتَعْمِلْهُ».
في الحجِّ تظهرُ عظمةُ الإسلام في توحيدِ المسلمين على الحقِّ، وجَمعِهِم على كلمة الإسلام، يقصِدون مكاناً واحداً، ويَدعون ربّاً واحداً، ويتَّبِعون نبيّاً واحداً، ويتلون كتاباً واحداً، فيه تزولُ فوارقُ زُخرف الدُّنيا، ويظهر الخلقُ سَوَاسِيةً لا تَمَايُز بينهم إلا بالتقوى.
في الحجِّ تظهر آياتٌ على صِدْقِ رُسُلِه، فإبراهيم عليه السلام دعا ربَّه: ﴿فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ﴾؛ فاستجاب اللَّه دعاءه، فقال سبحانه: ﴿وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ﴾، قال ابنُ كثيرٍ رحمه الله: «فَلَيْسَ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الإِسْلَامِ إِلَّا وَهُوَ يَحِنُّ إِلَى رُؤْيَةِ الكَعْبَةِ وَالطَّوَافِ، وَالنَّاسُ يَقْصِدُونَهَا مِنْ سَائِرِ الجِهَاتِ وَالأَقْطَارِ».
والمُخلِص للَّه سبحانه يَستجيبُ اللَّه دعاءه ولو بعد مماته، وفي كلِّ عامٍ يَظهرُ أثرُ دعوةِ إمامِ الحنفاء إبراهيمَ عليه السلام؛ فيَستجيبُ المسلمون لدعوته، ويَقصِدون – مع مَشقَّة السَّفر – وادياً لا زرع فيه؛ ليُظهِروا افتقارَهم إلى اللَّه بوقوفِهم في عرفات والمشاعر، وذُلَّهم للرَّبِّ سبحانه بتجرُّدِهم من المخيط، وحَلْق رؤوسهم خضوعاً له.
واللَّهُ سبحانه وَعَد بحِفْظِ هذا الدِّين، ومع تطاوُلِ الزَّمان وتقلُّبِ الأحوال يبقى الدِّينُ ناصعاً تامّاً مُبيَّناً كأنَّ الوحيَ نَزَل اليوم، فيلبَسون ما لَبِس النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم من إزارٍ ورِداءٍ، ويُلَبُّون بِتَلْبِيَته، ويَرْمُون كما رمى، ويطوفون بالبيت كما طاف.
والوفاءُ من شِيَم الرِّجال، ونبيُّنا مُحمَّدٌ صلى الله عليه وسلم صبر على الأذى والكروب؛ لِتَنْعَمَ أُمَّتُه بالهداية، قول النبي صلى الله عليه وسلم: «لَقَدْ أُوذِيتُ فِي اللَّهِ عز وجل وَمَا يُؤْذَى أَحَدٌ، وَأُخِفْتُ فِي اللَّهِ وَمَا يُخَافُ أَحَدٌ» (رواه أحمد)، والصَّحابةُ رضي الله عنهم هَجَروا الأوطان، وتغرَّبوا في البلدان؛ لحَمْلِ رسالة النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم وتبليغِها بعزمٍ وأمانة، ونَشْرِ الإسلام في الآفاق بالدَّعوة والقدوة، فواجبٌ على المسلم أداءُ حقوق النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم لِمَا قدَّمه لهذا الدِّين بمَحَبَّته واتِّباعه، والوفاءُ لصحابته رضي الله عنهم بمَحَبَّتهم، والتَّرضِّي عنهم، والذَّبِّ عنهم.
ومَنِ اقتفى أثر النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم في حَجِّه؛ حَرِيٌّ به التَّأسِّي به في شأنِه كُلِّه، وذلك سبيلُ الظَّفَرِ والفلاح؛ قال سبحانه: ﴿وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا﴾، وقال عليه الصلاة والسلام: «إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ شَيْئَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُمَا: كِتَابَ اللَّهِ، وَسُنَّتِي» (رواه الحاكم).
والنِّعَمُ تدومُ وتزيدُ بالشُّكر، ومَن أدَّى عبادةً وحَمِدَ اللَّه عليها؛ يَسَّر اللَّهُ له عبادةً بعدها لينالَ ثوابَها؛ قال سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ﴾، وأمارةُ قَبول العمل الصَّالح الحسنةُ بعده.
وإذا عمل المسلمُ عملاً صالحاً؛ وَجَبَ عليه حِفظُه بالحَذَر من الوقوع في الشِّرك، إذ إنَّه يُحبِطُ الحسنات؛ قال جل وعلا: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الخَاسِرِينَ﴾، وإذا أراد اللَّهُ بعبدٍ خيراً؛ سَلَبَ رؤيةَ أعمالِه الحسنةِ من قلبِه، والإخبارَ بها من لسانِه، وشَغَلَهُ برؤيةِ ذَنْبِه.
وسؤالُ اللَّه قَبولَ العملِ الصَّالح؛ من صِدْقِ الإيمان، فإبراهيمُ عليه السلام وهو يبني الكعبةَ يدعو ربَّه: ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾.
والثَّباتُ على الدِّين من عزائم الأمور، ومن دعاء النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم: «يَا مُثَبِّتَ القُلُوبِ، ثَبِّتْ قُلُوبَنَا عَلَى دِينِكَ» (رواه ابن ماجه).
ومَنْ لَبَّى اللَّه في حَجِّه بالتَّوحيد، وكبَّرَه في العيد؛ وجَبَ عليه الوفاءَ بوَعْدِه مع اللَّه؛ بأن لا يدعوَ سواه، ولا يَلجأَ إلى غيره، ومَنْ توجَّه إلى اللَّه أعانه.
وبعدُ، أيُّها المسلمون:
فالحَجُّ عبادةٌ ينادي عبادات أخرى، وإذا فرغَ المسلمُ من طاعة أَعْقَبَها بأخرى؛ قال سبحانه: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ﴾، قال ابنُ الجوزيِّ رحمه الله: «أَيْ: فَادْأَبْ فِي العَمَلِ»، والعبادةُ لا تَنقطعُ إلَّا بالموت؛ قال سبحانه: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ اليَقِينُ﴾، فسابق إلى الطَّاعات ونافس في الصَّالحات تظفر بما عند اللَّه من الرَّحمات.
أعوذ باللَّه من الشَّيطان الرَّجيم
﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾.
بارك اللَّه لي ولكم في القرآن العظيم …
الحمدُ للَّه على إحسانه، والشُّكر له على توفيقِه وامتنانِه، وأشهد أن لا إله إلَّا اللَّهُ وحدَه لا شريك له تعظيماً لشأنه، وأشهد أنَّ نبيَّنا مُحمَّداً عبدُه ورسولُه، صلَّى اللَّه عليه وعلى آله وأصحابه وسلَّم تسليماً مزيداً.
أيُّها المسلمون:
مَن أدَّى فريضةَ الحجِّ حَرِيٌّ به بعد أداءِ هذا الرُّكن أن يحفَظَ صحيفتَه بيضاءَ نقيَّة، فإنَّه «مَنْ حَجَّ، فَلَمْ يَرْفُثْ وَلَمْ يَفْسُقْ؛ رَجَعَ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ» (متفق عليه)، وأن يكونَ قدوةً لغيره في الصَّلاحِ والاستقامةِ والتَّفقُّهِ في الدِّين، والمحافظةِ على الصَّلوات جماعةً في بيوت اللَّه، وأن يدعو إلى اللَّه بالحكمة والموعظة الحسنة، مُبتدئاً دعوتَه بذوي القُربى، وصادقاً مع ربِّه في سائر أعماله.
ثمَّ اعلموا أنَّ اللَّه أمركم بالصَّلاة والسَّلام على نبيِّه …