انتظر قليلا 0%
Language:

خطبة الجمعة | القبر أول منازل الآخرة | ١٦ جمادى الأولى ١٤٤٧



القَبْرُ أَوَّلُ مَنَازِلِ الآخِرَةِ

أُلقيت يوم الجمعة، السادس عشَر من جمادى الأولى، سنة سبع وأربعين وأربع مئة وألف من الهجرة، في المسجد النَّبويِّ.

تحميل word   تحميل PDF 

  مترجمة إلى: ٤١ لغة

الإنجليزية – English الفرنسية – Français الأوردية – اردو الإندونيسية – Bahasa Indonesia الفارسية – فارسى التركية – Türkçe الروسية – русский البنغالية – বাংলা الصينية – 中文   الأسبانية – Español الألمانية – Deutsch الإيطالية – Italiano البرتغالية – Português  هوسا – Hausa الهندية – हिन्दी الطاجيكية – тоҷикӣ المليبارية – മലയാളം الماليزية – Bahasa Melayu الألبانية – Shqip السواحلية – Kiswahili التاميلية – தமிழ் السويدية – svenska الكازاخية – Қазақ الفلاتية – Fulfulde الأمهرية – አማርኛ النيبالية – नेपाली भाषा بشتو – پښتو  التايلندي – Thai الجورجية – ქართული اليابانية – 日本語 الكورية – 한국어 التيلجو – తెలుగు الأوزبكية – Oʻzbekcha الكردية – Kurdî البوسنية – Bosanski الأوكرانية – Українська الجاوية – Basa Jawa الأويغورية – ئۇيغۇرچە الصومالية – Af-Soomaali الفنلندية – Finnish الفلبينية – Tagalog


إنَّ الحمدَ للَّه، نَحمدُه ونَستعينُه ونَستغفرُه، ونَعوذُ باللَّهِ من شرورِ أنفسِنا ومن سيِّئاتِ أعمالِنا، مَنْ يَهْدِه اللَّهُ فلا مُضلَّ له، ومَنْ يُضْلِلْ فلا هَاديَ له، وأشهد أن لا إله إلَّا اللَّهُ وحدَه لا شريك له، وأشهد أنَّ مُحَمَّداً عبدُه ورسولُه، صلَّى اللَّهُ عليه وعلى آله وأصحابه وسلَّم تسليماً كثيراً.

أمَّا بعدُ:

فاتَّقوا اللَّه عبادَ اللَّه حَقَّ التَّقوى، وراقبوه في السِّرِّ والنَّجوى.

أيُّها المسلمون:

أمر اللَّه عبادَه أن يتمسَّكوا بالإسلام ويأخذوا بجميع عُراه وشرائعِه، ولا بدَّ للإسلام من إيمان يُحقِّقه ويصدِّقه، ومن أركان الإيمان السِّتَّة الإيمانُ باليوم الآخِر، ومنه الإيمانُ بكلِّ ما أخبر به النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم ممَّا يكون بعد الموت من فتنةِ القبر وعذابِه ونعيمِه إلى البَعْثِ والنُّشور.

وأوَّلُ مراحلِ الانتقالِ لهذه الدَّارِ: حضورُ الأجل، فتنزل إلى المؤمن ملائكةٌ من السَّماء بِيضُ الوجوه، كأنَّ وجوهَهم الشَّمسُ، معهم كَفَنٌ من أكفان الجنَّة، وحَنُوطٌ – أي: طِيب – من حَنُوطِ الجنَّة، حتَّى يجلسوا منه مَدَّ البصر، ثمَّ يَجِيءُ مَلَكُ الموت، حتَّى يجلس عند رأسه، فيقول: أيَّتُها النَّفس الطَّيِّبة، اخْرُجِي إلى مغفرةٍ من اللَّه ورضوان، فتخرج تسيل كما تسيل القطرةُ من فِي السِّقاء.

وأمَّا الكافر فتنزل إليه من السَّماء ملائكةٌ سُودُ الوجوه، معهم المُسُوح – وهو الصوف الخَشِن -، فيجلسون منه مَدَّ البصر، ثمَّ يَجِيءُ مَلَكُ الموت، حتَّى يجلس عند رأسه، فيقول: أيَّتُها النَّفس الخبيثة، اخْرُجِي إلى سخط من اللَّه وغضب، فتَفرَّقُ في جسدِه، فيَنتزِعُها كما يُنتزَعُ السَّفُّودُ – وهو حديدة بها شعب معقوفة – من الصُّوف المبلول (رواه أحمد).

 وإذا نزع مَلَكُ الموت الرُّوحَ من البدن؛ فـ«العَبْدُ المُؤْمِنُ يَسْتَرِيحُ مِنْ نَصَبِ الدُّنْيَا وَأَذَاهَا إِلَى رَحْمَةِ اللَّهِ، وَالعَبْدُ الفَاجِرُ يَسْتَرِيحُ مِنْهُ العِبَادُ وَالبِلَادُ، وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ»  (متفق عليه).

 ثم يَرحل إلى حياةٍ أخرى أطول من حياته الدُّنيا، وهي حياة البَرْزَخ بين الدُّنيا وقيام السَّاعة، والقبر أوَّلُ مَنْزِلٍ من منازلِ الآخرة، فإذا وُضِع الميِّت فيه؛ سَمِع قَرْعَ نِعال أصحابه إذا انصرفوا عنه.

ثمَّ يُفتَن في قبره فتنةً عظيمةً بسؤاله ثلاثة أسئلة لا يُجِيب عليها إلَّا القِلَّة من النَّاس، قال النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم: «أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّكُمْ تُفْتَنُونَ فِي القُبُورِ قَرِيباً مِنْ فِتْنَةِ الدَّجَّالِ» (متفق عليه)، فيأتيه مَلَكان، فيُجلسانِه ويسألانه: مَن ربُّك؟ وما دينُك؟ ومَن نبيُّك؟

فمَن ثبَّته اللَّهُ قال: اللَّهُ ربِّي، والإسلام دِيني، ومُحمَّد نبيِّي؛ «فَيُقَالُ له: انْظُرْ إِلَى مَقْعَدِكَ مِنَ النَّارِ أَبْدَلَكَ اللَّهُ بِهِ مَقْعَداً مِنَ الجَنَّةِ، فَيَرَاهُمَا جَمِيعاً.

وَأَمَّا الكَافِرُ – أَوِ: المُنَافِقُ – فَيَقُولُ: لَا أَدْرِي، كُنْتُ أَقُولُ مَا يَقُولُ النَّاسُ، فَيُقَالُ: لَا دَرَيْتَ وَلَا تَلَيْتَ أَيْ: لَا عَلِمْتَ مَا هُوَ الحَقُّ، وَلَا قَرَأْتَ القُرْآنَ، ثُمَّ يُضْرَبُ بِمِطْرَقَةٍ مِنْ حَدِيدٍ ضَرْبَةً بَيْنَ أُذُنَيْهِ، فَيَصِيحُ صَيْحَةً يَسْمَعُهَا مَنْ يَلِيهِ إِلَّا الثَّقَلَيْنِ» (متفق عليه).

ثمَّ بعد هذه الفتنة إمَّا نعيمٌ وإمَّا عذابٌ إلى أن تقوم القيامة الكبرى، قال سبحانه: ﴿‌وَحَاقَ ‌بِآلِ ‌فِرْعَوْنَ سُوءُ العَذابِ * النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها غُدُوّاً وَعَشِياً وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ العَذابِ﴾.

وكذلك هذه الأمة تُبتلى، قال النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ هَذِهِ الأُمَّةَ تُبْتَلَى فِي قُبُورِهَا – أَيْ: بِالعَذَابِ فِيهَا -» (رواه مسلم)، و«مَرَّ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَلَى قَبْرَيْنِ فَقَالَ: أَمَا إِنَّهُمَا لَيُعَذَّبَانِ، وَمَا يُعَذَّبَانِ فِي كَبِيرٍ، أَمَّا أَحَدُهُمَا فَكَانَ يَمْشِي بِالنَّمِيمَةِ، وَأَمَّا الآخَرُ فَكَانَ لَا يَسْتَتِرُ مِنْ بَوْلِهِ – أَيْ: لَا يَتَحَرَّزُ مِنْهُ -» (متفق عليه).

والبهائمُ تسمعُ عذابَ القبور، قال عليه الصلاة والسلام: «إِنَّهُمْ يُعَذَّبُونَ عَذَاباً تَسْمَعُهُ البَهَائِمُ كُلُّهَا» (متفق عليه)، وبيَّن النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم الحكمة من عدم سماع النَّاس لعذاب القبور فقال: «لَوْلَا أَنْ لَا تَدَافَنُوا لَدَعَوْتُ اللَّهَ أَنْ يُسْمِعَكُمْ مِنْ عَذَابِ القَبْرِ الَّذِي أَسْمَعُ مِنْهُ» (رواه مسلم).

والنَّعيمُ والعذابُ للرُّوح والجسد، قال شيخُ الإسلام رحمه الله: «العَذَابُ وَالنَّعِيمُ عَلَى النَّفْسِ وَالبَدَنِ جَمِيعاً بِاتِّفَاقِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالجَمَاعَةِ».

وكان النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم يتعوَّذ باللَّه من عذاب القبر دُبُرَ كلِّ صلاة، وأَقْبَل على الصَّحابة ذات يوم، وقال لهم: «تَعَوَّذُوا بِاللَّهِ مِنْ عَذَابِ القَبْرِ، فَقَالُوا: نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ عَذَابِ القَبْرِ» (رواه مسلم)، وكان يأمرُهم أن يتعوَّذوا من عذاب القبر في كلِّ صلاة، قال صلى الله عليه وسلم: «إِذَا فَرَغَ أَحَدُكُمْ مِنَ التَّشَهُّدِ الآخِرِ؛ فَلْيَتَعَوَّذْ بِاللَّهِ مِنْ أَرْبَعٍ: مِنْ عَذَابِ جَهَنَّمَ، وَمِنْ عَذَابِ القَبْرِ، وَمِنْ فِتْنَةِ المَحْيَا وَالمَمَاتِ، وَمِنْ شَرِّ المَسِيحِ الدَّجَّالِ» (متفق عليه)، وعن ابن عبَّاس رضي الله عنهما: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم كَانَ يُعَلِّمُهُمْ هَذَا الدُّعَاءَ كَمَا يُعَلِّمُهُمُ السُّورَةَ مِنَ القُرْآنِ» (رواه مسلم).

والموتى في قبورهم أحوج ما يكونون لمن يدعو لهم، فطلب الحوائج منهم، أو الاستغاثة بهم، أو التَّوجُّه إليهم من دون اللَّه أصل شِرك العالَم، وأوَّل ما وَقَع الشِّركُ في بني آدم كان بسَبَبِه.

وبعدُ، أيُّها المسلمون:

فالقبورُ وَعَظتْ فلم تَترك لواعظٍ مقالاً، «كَانَ عُثْمَانُ رضي الله عنه إِذَا وَقَفَ عَلَى قَبْرٍ بَكَى حَتَّى يَبُلَّ لِحْيَتَهُ» (رواه أحمد)، و«قَامَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم خَطِيباً، فَذَكَرَ فِتْنَةَ القَبْرِ الَّتِي يَفْتَتِنُ فِيهَا المَرْءُ، فَلَمَّا ذَكَرَ ذَلِكَ ضَجَّ المُسْلِمُونَ ضَجَّةً – أَيْ: مِنَ البُكَاءِ -» (رواه البخاري).

وتوحيدُ اللَّه ولوازمُه أعظمُ سبيلٍ للنَّجاة من عذاب القبر، قال عليه الصلاة والسلام: «إِذَا أُقْعِدَ المُؤْمِنُ فِي قَبْرِهِ أُتِيَ، ثُمَّ شَهِدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّداً رَسُولُ اللَّهِ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالقَوْلِ الثَّابِتِ﴾» (متفق عليه).

والعملُ الصَّالحُ مُؤْنِسٌ في القبور، قال النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم في وصف حال المؤمن إذا وُضع في القبر: «يَأْتِيهِ رَجُلٌ حَسَنُ الوَجْهِ، حَسَنُ الثِّيَابِ، طَيِّبُ الرِّيحِ، فَيَقُولُ: أَبْشِرْ بِالَّذِي يَسُرُّكَ، هَذَا يَوْمُكَ الَّذِي كُنْتَ تُوعَدُ، فَيَقُولُ لَهُ: مَنْ أَنْتَ؟ فَوَجْهُكَ الوَجْهُ يَجِيءُ بِالخَيْرِ، فَيَقُولُ: أَنَا عَمَلُكَ الصَّالِحُ» (رواه أحمد).

فالعاقلُ يتزوَّد من الصَّالحات قبل الرَّحيل، فوعد اللَّه حقٌّ، والأجل قادمٌ، والحياة وإن طالت فلا مناص من القبر.

أعوذ باللَّه من الشَّيطان الرَّجيم

﴿يَا أَيُّهَا الإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلَاقِيهِ﴾.

بارك اللَّه لي ولكم في القرآن العظيم …


الخطبة الثَّانية

الحمدُ للَّه على إحسانه، والشُّكر له على توفيقِه وامتنانِه، وأشهد أن لا إله إلَّا اللَّهُ وحدَه لا شريك له تعظيماً لشأنه، وأشهد أنَّ نبيَّنا مُحمَّداً عبدُه ورسولُه، صلَّى اللَّه عليه وعلى آله وأصحابه وسلَّم تسليماً مزيداً.

أيُّها المسلمون:

العُمُر قصيرٌ ومرورُه سريعٌ، والدُّنيا تأخذ بالعبد إلى الغفلة، والقبور تُذكِّر بالآخرة، قال النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم: «زُورُوا القُبُورَ؛ فَإِنَّهَا تُذَكِّرُ المَوْتَ» (رواه مسلم).

وكان النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم يذكر أصحابه بالقبر في كلِّ حين، ولمَّا انكسفت الشَّمس في عهد النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم وانصرف من صلاته: «قَالَ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقُولَ، ثُمَّ أَمَرَهُمْ أَنْ يَتَعَوَّذُوا مِنْ عَذَابِ القَبْرِ» (متفق عليه).

فتَعَوَّذوا باللَّه من عذاب القبر وفتنتِه، واجتنبوا الآثام التي تقتضيه، وابذلُوا الأسبابَ للسَّلامة منه وتَوَقِّيه.

ثمَّ اعلموا أنَّ اللَّه أمركم …