
أُلقيت يوم الجمعة، الثالث من شهر ذي الحِجة، سنة ست وأربعين وأربع مئة وألف من الهجرة، في المسجد النَّبويِّ.
مترجمة إلى: 35 لغة
الإنجليزية – English الفرنسية – Français الأوردية – اردو الإندونيسية – Bahasa Indonesia الفارسية – فارسى التركية – Türkçe الروسية – русский البنغالية – বাংলা الصينية – 中文 الأسبانية – Español الألمانية – Deutsch الإيطالية – Italiano البرتغالية – Português هوسا – Hausa الهندية – हिन्दी الطاجيكية – тоҷикӣ المليبارية – മലയാളം الماليزية – Bahasa Melayu الألبانية – Shqip السواحلية – Kiswahili التاميلية – தமிழ் السويدية – svenska الكازاخية – Қазақ الفلاتية – Fulfulde الأمهرية – አማርኛ النيبالية – नेपाली भाषा بشتو – پښتو التايلندي – Thai الجورجية – ქართული اليابانية – 日本語 الكورية – 한국어 التيلجو – తెలుగు الأوزبكية – Oʻzbekcha الكردية – Kurdî البوسنية – Bosanski
إنَّ الحمدَ للَّه، نَحمدُه ونَستعينُه ونَستغفرُه، ونَعوذُ باللَّهِ من شرورِ أنفسِنا ومن سيِّئاتِ أعمالِنا، مَنْ يَهْدِه اللَّهُ فلا مُضلَّ له، ومَنْ يُضْلِلْ فلا هَاديَ له، وأشهد أن لا إله إلَّا اللَّهُ وحدَه لا شريك له، وأشهد أنَّ مُحَمَّداً عبدُه ورسولُه، صلَّى اللَّهُ عليه وعلى آلِه وأصحابِه وسَلَّم تسليماً كثيراً.
أمَّا بعدُ:
فاتَّقوا اللَّه عبادَ اللَّه حَقَّ التَّقوى، وراقبوه في السِّرِّ والنَّجوى.
أيُّها المسلمون:
فاضلَ اللَّه بين اللَّيالي والأيَّام، ومَنَّ على عباده بمواسم الطَّاعات؛ ليزدادَ المؤمنون رِفعةً في درجاتهم.
ومن الأيَّام الفاضلة الَّتي أعلى اللَّهُ شأنَها، وعَظَّم أمرَها: أيَّامُ عشر ذي الحِجَّة، أقسمَ اللَّهُ بها – ولا يَقسِم سبحانه إلَّا بعظيم – فقال: ﴿وَالفَجْرِ * وَلَيَالٍ عَشْرٍ﴾.
وهي من أيَّامِ اللَّهِ الحُرُم، وخاتمةُ الأشهر المعلومات، نهارُها أفضلُ من نهارِ العشرِ الأواخرِ من رمضان؛ قال شيخُ الإسلام رحمه الله: «أَيَّامُ عَشْرِ ذِي الحِجَّةِ أَفْضَلُ مِنْ أَيَّامِ العَشْرِ مِنْ رَمَضَانَ، وَاللَّيَالِي العَشْرُ الأَوَاخِرُ مِنْ رَمَضَانَ أَفْضَلُ مِنْ لَيَالِي عَشْرِ ذِي الحِجَّةِ».
العملُ الصَّالحُ فيها أحبُّ إلى اللَّه منه في غيرها، قال عليه الصلاة والسلام: «مَا العَمَلُ فِي أَيَّامٍ أَفْضَلَ مِنْهَا فِي هَذِهِ، قَالُوا: وَلَا الجِهَادُ؟ قَالَ: وَلَا الجِهَادُ، إِلَّا رَجُلٌ خَرَجَ يُخَاطِرُ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ، فَلَمْ يَرْجِعْ بِشَيْءٍ» (رواه البخاري).
اجتمعت فيها أُمَّهات العبادةِ – من الصَّلاة، والصَّدقة، والصِّيام، والحجِّ، والنَّحر -.
ومن أعلام أيَّامها حجُّ بيت اللَّه الحرام، أحدُ أركان الإسلام، وأصلٌ من أُصولِه العِظامِ، تُمحَى به الذُّنوبِ والخطايا؛ قال عليه الصلاة والسلام: «الحَجُّ يَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلَهُ» (رواه مسلم)، وهو طُهرةٌ للحاجِّ من أدران السَّيِّئات، قال عليه الصلاة والسلام: «مَنْ حَجَّ لِلَّهِ فَلَمْ يَرْفُثْ، وَلَمْ يَفْسُقْ؛ رَجَعَ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ» (متفق عليه).
وفيها يومُ عرفة مُلتقى المسلمين المشهودُ، يومٌ كريمٌ على المسلمين، فـ«مَا مِنْ يَوْمٍ أَكْثَرَ مِنْ أَنْ يُعْتِقَ اللَّهُ فِيهِ عَبْداً مِنَ النَّارِ مِنْ يَوْمِ عَرَفَةَ» (رواه مسلم)، يومُ دعاء ورجاءٍ وخشوعٍ، وذُلٍّ وخضوعٍ، قال ابنُ عبد البَرِّ رحمه الله: «دُعَاءُ يَوْمِ عَرَفَةَ مُجَابٌ كُلُّهُ فِي الأَغْلَبِ».
وفي العشر أحدُ عِيدَيِ المسلمين يومُ النَّحْر؛ أعظمُ الأيَّامِ عند اللَّه، وأشدُّها حُرْمَة، قال النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم في حَجَّة الوداع في خطبته يوم النَّحر: «أَلَا إِنَّ أَحْرَمَ الأَيَّامِ يَوْمُكُمْ هَذَا» (رواه أحمد)، وهو أفضلُ أيَّامِ المناسكِ وأظهرُها، وأكثرُ شعائر الإسلام فيه، وهو يومُ الحَجِّ الأكبر الذي قال اللَّه فيه: ﴿وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الحَجِّ الأَكْبَرِ﴾، وفيه أكمل اللَّه لهذه الأُمَّةِ الدِّينَ.
وفي نفوس المسلمين حنينٌ لحَجِّ بيت اللَّه الحرام، ومن فضل اللَّه على عبادِه أنَّه لم يُوجِبه إلَّا على المستطيع، ومَن عَزَم على حَجِّه ولم يستطع؛ نال ثوابَه.
ويُستحبُّ في العشر المباركة صيامُ التِّسعةِ الأُولَى منها، قال النَّوويُّ رحمه الله: «مُسْتَحَبٌّ اسْتِحْبَاباً شَدِيداً»، وصيامُ يومِ عرفةَ «يُكَفِّرُ السَّنَةَ المَاضِيَةَ وَالبَاقِيَةَ» (رواه مسلم)، والأفضلُ للحاجِّ أن لا يصومَه؛ تأسِّياً بفعلِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم.
ويُستحَبُّ في العشر الإكثارُ من ذِكر اللَّه؛ قال جَلَّ شأنه: ﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ﴾، قال النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم: «فَأَكْثِرُوا فِيهِنَّ مِنَ التَّهْلِيلِ وَالتَّكْبِيرِ وَالتَّحْمِيدِ» (رواه أحمد).
والتَّكبيرُ المُطْلَقُ في كلِّ وقتٍ من شعائر عشر ذي الحِجَّة، ويُشرَعُ التَّكبيرُ المُقَيَّدُ عَقِبَ الصَّلواتِ المفروضة، من فجرِ عرَفَةَ – للحُجَّاجِ وغيرِهم – إلى عصرِ آخِرِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ.
وتلاوةُ كتابِ اللَّه العظيم أجرها مضاعف، والصَّدقةُ من أبوب السَّعادة وخيرُ ما تكون في وقتِ الحاجة وشريفِ الزَّمان.
وفي أيَّام النَّحرِ والتَّشريقِ عبادةٌ ماليَّةٌ بَدَنيَّةٌ قَرَنَهَا اللَّهُ بالصَّلاة فقال سبحانه: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾، وقد حَثَّ اللَّهُ على الإخلاصِ في النَّحر، وأن يكون القصدُ وجهَ اللَّهِ وحدَه، لا فخرَ ولا رياءَ ولا سُمعةَ، ولا مُجَرَّدَ عادة، فقال سبحانه: ﴿لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُم﴾، وقد «ضَحَّى النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم بِكَبْشَيْنِ أَمْلَحَيْنِ أَقْرَنَيْنِ، ذَبَحَهُمَا بِيَدِهِ» (متفق عليه)، والأَمْلَحُ: الأَسْوَدُ الَّذي يَعْلُو شَعَرَهُ بَياضٌ، والأَقْرَنُ: ذُو القُرُونِ.
وأفضل الأضاحي: أغلاها ثمناً وأنفسُها عند أهلِها، وتُجزِئ شاةٌ واحدةٌ عن الرَّجُل وعن أهل بيتِه، ومَن أراد أن يُضَحِّيَ فلا يأخذ من شَعَرِه أو أظفارِه شيئاً من دخول شهر ذي الحِجَّة إلى أن يُضَحِّيَ، ومَن نَوَى الأضحية بعد دخول العشر، فليمسك عن الأخذ من شَعَرِه وأظفاره من حين نَوَى.
وبعد، أيُّها المسلمون:
فمِن إحسانه تعالى أن جَعَل موسمَ العشرِ مُشترَكاً بين السَّائرينَ للحَجِّ والمعذورين.
والحاجُّ مع فَضْلِ الزَّمان ينالُ شَرَف المكان في أحبِّ البِقاع إلى اللَّه مكَّة المُكَرَّمة، أقسم بها سبحانه، وقَدَّسَها وصانها، وبارك فيها بكثرة الخير فيها ودوامِه، وجَعَلها آمنةً لا قتالَ فيها؛ الطَّيرُ فيها آمنٌ لا يُنَفَّر، والشَّجرُ لا يُقطَع، والمالُ الذي لا يُعرَف مالكُه لا يُؤخَذ إلَّا لمُعَرِّفٍ به، نَظَر إليها النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم ثمَّ قال: «وَاللَّهِ إِنَّكِ لَخَيْرُ أَرْضِ اللَّهِ، وَأَحَبُّ أَرْضِ اللَّهِ إِلَى اللَّهِ» (رواه أحمد).
والحاجُّ المُوَفَّق مَن عَمَّرَ وقتَه فيها بالطَّاعات، وتزوَّد فيها من الصَّالحات، وتعرَّض فيها لنَفَحات الرَّحمات، وشَكَر فيها ربَّه على النِّعَم المتواليات، ودعا للقائمين على خدمة الحجيج والمعتمرين.
أعوذ باللَّه من الشَّيطان الرَّجيم
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾.
بارك اللَّه ولكم في القرآن العظيم …
الحمد للَّه على إحسانه، والشُّكر له على توفيقِه وامتنانِه، وأشهد أن لا إله إلَّا اللَّهُ وحده لا شريك له تعظيماً لشأنه، وأشهد أنَّ نبيَّنا مُحمَّداً عبدُه ورسولُه، صلَّى اللَّه عليه وعلى آله وأصحابه وسلَّم تسليماً مزيداً.
أيُّها المسلمون:
العبادُ في سَعْيٍ حَثيثٍ إلى اللَّه، وليس لهم حَطٌّ عن رِحالِهم إلَّا في الجَنَّة أو النَّار، وكلُّ ساعةٍ من العُمر إن لم تُقرِّب المرءَ من ربِّه أبعَدَتْه؛ فاغتَنِموا مواسمَ العبادة قبل فواتها، وإيَّاكم والمعاصي؛ فاللَّه يَغَار، قال النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ اللَّهَ يَغَارُ، وَغَيْرَةُ اللَّهِ أَنْ يَأْتِيَ المُؤْمِنُ مَا حَرَّمَ اللَّهُ» (متفق عليه)، والمعصيةُ تَعظُم في الأشهر الحُرُم، قال سبحانه: ﴿فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾.
وما أجملَ التَّائبَ يتوبُ في أحبِّ الأيَّامِ إلى اللَّه! ومَن أحَسَّ بتقصيرٍ في قَولِه أو عَمَلِه أو حالِه أو رِزْقِه أو تَقَلُّبِ قَلْبٍ؛ فعليه بالتَّوحيدِ والاستغفارِ، ففيهما الشِّفاءُ إذا كَانَا بصِدْقٍ وإخلاصٍ.
ثمَّ اعلموا أنَّ اللَّه أمركم بالصَّلاة والسَّلام …