انتظر قليلا 0%

خطبة الجمعة | هدي النبي ﷺ في تربية الأبناء | ١٠ صفر ١٤٤٨



هَدْيُ النَّبِيِّ ﷺ فِي تَرْبِيَةِ الأَبْنَاءِ

أُلقيت يوم الجمعة، العاشر من شهر صَفَر، سنة ثمان وأربعين وأربع مئة وألف من الهجرة، في المسجد النَّبويِّ.

تحميل word   تحميل PDF 

  مترجمة إلى: ٥٨ لغة

الإنجليزية – English الفرنسية – Français الأوردية – اردو الإندونيسية – Bahasa Indonesia الفارسية – فارسى التركية – Türkçe الروسية – русский البنغالية – বাংলা الصينية – 中文   الأسبانية – Español الألمانية – Deutsch الإيطالية – Italiano البرتغالية – Português  هوسا – Hausa الهندية – हिन्दी الطاجيكية – тоҷикӣ المليبارية – മലയാളം الماليزية – Bahasa Melayu الألبانية – Shqip السواحلية – Kiswahili التاميلية – தமிழ் السويدية – svenska الكازاخية – Қазақ الفلاتية – Fulfulde الفيتنامية – Vietnamese الأمهرية – አማርኛ النيبالية – नेपाली भाषा بشتو – پښتو  التايلندي – Thai الجورجية – ქართული اليابانية – 日本語 الكورية – 한국어 التيلجو – తెలుగు الأوزبكية – Oʻzbekcha الكردية – Kurdî البوسنية – Bosanski الأوكرانية – Українська الجاوية – Basa Jawa Kanuri – الكانورية Oromo – الأورومية Sindhi – السندية  Kyrgyz – القيرغيزية  Rohingya – الروهينغية  Yoruba – اليوروبية  Azerbaijani – الأذربيجانية Punjabi – البنجابية Polish – البولندية Hungarian – المجرية  Czech – التشيكية  Serbian – الصربية Norwegian – النرويجية Bulgarian – البلغارية الأويغورية – ئۇيغۇرچە الصومالية – Af-Soomaali الفنلندية – Finnish الفلبينية – Tagalog Dutch – الهولندية 


إنَّ الحمدَ للَّه، نَحمدُه ونَستعينُه ونَستغفرُه، ونَعوذُ باللَّهِ من شرورِ أنفسِنا ومن سيِّئاتِ أعمالِنا، مَنْ يَهْدِه اللَّهُ فلا مُضلَّ له، ومَنْ يُضْلِلْ فلا هَاديَ له، وأشهد أن لا إله إلَّا اللَّهُ وحدَه لا شريك له، وأشهد أنَّ مُحَمَّداً عبدُه ورسولُه، صلَّى اللَّهُ عليه وعلى آله وأصحابه وسلَّم تسليماً كثيراً.

أمَّا بعدُ:

فاتَّقوا اللَّه – عبادَ اللَّه – حَقَّ التَّقوى، وراقبوه في السِّرِّ والنَّجوى.

أيُّها المسلمون:

أسبغَ اللَّهُ على عبادِه نِعَماً ظاهرةً وباطنةً، ومن مِنَنِه الجِسام نعمةُ البنين والحَفَدة فقال سبحانه: {وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْواجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً}، وأخبر سبحانه أنَّهم هبةٌ منه لعبادِه، فقال عن إبراهيم عليه السلام: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً﴾، وقال عن زكريَّا عليه السلام: {وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى}، وقال عن داود عليه السلام: {وَوَهَبْنا لِداوُدَ سُلَيْمَانَ﴾.

 وهم بِشارةٌ للآباء والأُمَّهات، قال عن إبراهيم عليه السلام: ﴿فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ﴾، وقال لزكريَّا عليه السلام: ﴿إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ اسْمُهُ يَحْيَى﴾، وقال عن سارةَ عليها السلام: ﴿فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَراءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ﴾، والملائكة قالت لمريمَ عليها السلام: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ﴾.

وهم زينةَ الحياة الدُّنيا وبَهْجتَها، ﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾.

ولِعِظَمِ شأنهم أَقْسَمَ اللَّهُ بهم فقال: ﴿وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ﴾.

والأبناءُ أمانةٌ عند الوالدَيْن في حفظِ دينهم، وبناءِ أخلاقهم، وتوجيهِ سلوكهم، وصيانةِ فِطرتهم، قال النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم: «كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ» (متفق عليه).

وقد لجأ الأنبياءُ إلى اللَّه لصلاحِ ذرِّيَّاتهم قبل وجودِهم؛ فإبراهيم عليه السلام قال: ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصالِحِينَ﴾، وزكريَّا عليه السلام قال: ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً﴾.

ومن فضلِ اللَّه أنْ غرسَ في قلوبِ الأبناء خير مُعِينٍ لتربيتهم، وهو فطرةُ الإيمان به سبحانه ومحبةُ الإسلام، قال عليه الصلاة والسلام: «كُلُّ مَوْلُودٍ يُوْلَدُ عَلَى الفِطْرَةِ» (متفق عليه).

وأوَّلُ لبنةٍ في تربيتهم ترسيخُ ما فُطِرُوا عليه من توحيد اللَّه، وزيادةُ إيمانِهم بتعليمهم كتابَ اللَّه، قال جُنْدُبُ بنُ عبد اللَّه رضي الله عنه: «كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَنَحْنُ فِتْيَانٌ حَزَاوِرَةٌ – أَيْ: قَارَبْنَا البُلُوغَ -، فَتَعَلَّمْنَا الإِيمَانَ، ثُمَّ تَعَلَّمْنَا القُرْآنَ فَازْدَدْنَا بِهِ إِيمَاناً» (رواه ابن ماجه)، قال السُّيوطيُّ رحمه الله: «تَعْلِيمُ الصِّبْيَانِ لِلْقُرْآنِ أَصْلٌ مِنْ أُصُولِ الإِسْلَامِ، فَيَنْشَؤُونَ عَلَى الفِطْرَةِ، وَيَسْبِقُ إِلَى قُلُوبِهِمْ أَنْوَارُ الحِكْمَةِ».

ووَعَظ لقمانُ ابنَه أن يحذر الشِّرك: ﴿يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾.

ورَبْطُ قلوب الأبناء بخالقهم وتعلُّقهم به واعتمادِهم عليه أساسُ فلاحهم وسعادتهم، قال عليه الصلاة والسلام لابن عبَّاس رضي الله عنهما: «يَا غُلَامُ، إِنِّي أُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ؛ احْفَظِ اللَّهَ يَحْفَظْكَ، احْفَظِ اللَّهَ تَجِدْهُ تُجَاهَكَ، إِذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلِ اللَّهَ، وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ» (رواه الترمذي).

والصَّلاةُ عمودُ الإسلام، وصلاة الأبناء تَصِلُهم باللَّه، قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: «مُرُوا أَبْنَاءَكُمْ بِالصَّلَاةِ لِسَبْعِ سِنِينَ» (رواه أحمد)، والصلاة تجلب لهم الرزق، قال سبحانه: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاَةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لاَ نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَّحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى﴾، قال ابن كثير رحمه الله: «يَعْنِي: إِذَا أَقَمْتَ الصَّلَاةَ أَتَاكَ الرِّزْقُ مِنْ حَيْثُ لَا تَحْتَسِبُ».

وكان النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم يَحُثُّهم على نوافل العبادات، قال لعبدِ اللَّه بنِ عمرَ رضي الله عنهما – وهو يومئذٍ غلام -: «نِعْمَ الرَّجُلُ عَبْدُ اللَّهِ، لَوْ كَانَ يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ» (متفق عليه).

ويُبَصَّرون بحقوق المخلوقين، وأوجبُها بِرُّ الوالدين، قال تعالى في مَعْرِض وصية لقمان لابنه: ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾، ويُرَبَّوْن على العزائم من الأمور وعُلُوِّ الهِمَّة، قال سبحانه: ﴿يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْناهُ الْحُكْمَ صَبِيّاً﴾.

وكلَّما عَلَتْ أخلاقُ العُظماء تواضَعوا للصِّبيان والناشئة، ولأبنائهم وبناتهم، وكان النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم يتلطَّف معهم؛ فتارةً يأخذ بأيديهم، وأحياناً يَضَعُ كَفَّ أحدهم بين كَفَّيْهِ، وتارةً يأخذ بمَنْكِب أحدهم، و«إِذَا مَرَّ بِصِبْيَانٍ ‌سَلَّمَ ‌عَلَيْهِمْ» (متفق عليه)، ويُرَحِّب بهم ويُجِلُّهم، قالت عائشة رضي الله عنها: «أَقْبَلَتْ فَاطِمَةُ تَمْشِي، فَلَمَّا رَآهَا رَحَّبَ بِهَا، فَقَالَ: مَرْحَباً بِابْنَتِي، ثُمَّ أَجْلَسَهَا عَنْ يَمِينِهِ، أَوْ عَنْ شِمَالِهِ» (متفق عليه)، ويُشْفِقُ عليهم ويسألهم عن أهليهم، ويُمازِحهم، ويَحْنُو عليهم ويرحمهم، قال أنسٌ رضي الله عنه: «أَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إِبْراهِيمَ – أَيْ: ابْنَهُ – فَقَبَّلَهُ وَشَمَّهُ» (متفق عليه)، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يأكلُ معهم ويُعَلِّمُهم آدابَ الأكل، قال عمرُ بنُ أبي سَلَمَة رضي الله عنهما: «قَالَ لِي النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: يَا غُلَامُ، سَمِّ اللَّهَ، وَكُلْ بِيَمِينِكَ، وَكُلْ مِمَّا يَلِيكَ» (متفق عليه).

 ويستشرفُ النَّابغةَ منهم، فيُوَجِّهه بما ينفع نفسَه وأُمَّتَه؛ لَمَّا رأى زيدَ بن ثابت رضي الله عنه – وهو دون الخامسةَ عَشْرة – يُحسِن الكتابةَ، جَعَله من كُتَّاب الوحي، وحين أبصر فيه ذكاءً أمره أن يتعلَّم لغةً أخرى؛ لِيُتَرْجِم له ما يُكتَب بلسانهم (رواه أبو داود).

ويسألهم عن أصولِ الدِّين من صفات اللَّه والرِّسالة، ويُكافئهم على صواب الجواب، قال لجارية: «أَيْنَ اللَّهُ؟ قَالَتْ: فِي السَّمَاءِ، قَالَ: مَنْ أَنَا؟ قَالَتْ: أَنْتَ رَسُولُ اللَّهِ، قَالَ: أَعْتِقْهَا، فَإِنَّهَا مُؤْمِنَةٌ» (رواه مسلم).

وفي مجلسه صلى الله عليه وسلم يُوَقِّرهم ويُعْلِي شأنَهم مع وجود أكابر الصَّحابة، «أُتِيَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بِشَرَابٍ؛ فَشَرِبَ مِنْهُ، وَعَنْ يَمِينِهِ غُلَامٌ وَعَنْ يَسَارِهِ أَشْيَاخٌ، فَقَالَ لِلْغُلَامِ: أَتَأْذَنُ لِي أَنْ أُعْطِيَ هَؤُلَاءِ؟ فَقَالَ الغُلَامُ: لَا وَاللَّهِ، لَا أُوثِرُ بِنَصِيبِي مِنْكَ أَحَداً، فَتَلَّهُ – أَيْ: وَضَعَهُ – رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِي يَدِهِ» (متفق عليه).

وإذا ظهر من أحدهم خُلُقٌ جميلٌ وفِعْلٌ محمودٌ أَثنى عليه النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم وأَظهر مكانتَه؛ سَمِع قراءةَ سالمٍ مولى أبي حُذيفةَ رضي الله عنه – وهو غلامٌ صغيرٌ، حَسَنُ الصَّوت بالقرآن -، فقال له: «الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَ فِي أُمَّتِي مِثْلَكَ» (رواه أحمد).

وكان يَعْظُم عليه مَن يؤذيهم، قال معاوية بن الحَكم رضي الله عنه: «كَانَتْ لِي جَارِيَةٌ تَرْعَى غَنَماً لِي قِبَلَ أُحُدٍ وَالجَوَّانِيَّةِ، فَاطَّلَعْتُ ذَاتَ يَوْمٍ فَإِذَا الذِّيبُ قَدْ ذَهَبَ بِشَاةٍ مِنْ غَنَمِهَا، وَأَنَا رَجُلٌ مِنْ بَنِي آدَمَ، آسَفُ كَمَا يَأْسَفُونَ – أَيْ: أَغْضَبُ كَمَا يَغْضَبُونَ -، لَكِنِّي صَكَكْتُهَا صَكَّةً – أَيْ: لَطَمْتُهَا -، فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَعَظَّمَ ذَلِكَ عَلَيَّ» (رواه مسلم).

وكان النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم يُحَصِّنُهم من الشُّرور بأذكار الصَّباح والمساء؛ فكان يُعَوِّذ الحسن والحسين رضي الله عنهما ويقول: «إِنَّ أَبَاكُمَا – أَيْ: إِبْرَاهِيمَ عليه السلام – كَانَ يُعَوِّذُ بِهَا إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ: أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّةِ، مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ وَهَامَّةٍ، وَمِنْ كُلِّ عَيْنٍ لَامَّةٍ» (رواه البخاري).

 والصَّغيرُ مجبولٌ على مَحَبَّة مَن دنا منه وعَلَّمه، لذا إذا قَدِم النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم من سفرٍ خرج الصِّبيانُ لاستقبالِه (متفق عليه).

ومن صلاح الولد صلاحُ الوالد؛ فالحَسَن عندهم ما صَنَع، والقبيح عندهم ما ترك.

وممَّا يُصْلِحُهم رَفْعُ هِمَمِهم بسماع سِيَر عظماء الأُمَّة؛ قال الإمام مالكٌ رحمه الله: «كَانَ السَّلَفُ يُعَلِّمُونَ أَوْلَادَهُمْ حُبَّ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ، كَمَا يُعَلِّمُونَ السُّورَةَ مِنَ القُرْآنِ».

ولا سبب لصلاح النَّشْئِ أنفعُ من الدُّعاء، لذا طَرَق الأنبياءُ والصَّالحون هذا البابَ؛ فقال إبراهيم عليه السلام: ﴿رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي﴾، ونبيُّنا صلى الله عليه وسلم دعا لابن عبَّاس رضي الله عنهما وهو غلامٌ: «اللَّهُمَّ عَلِّمْهُ الكِتَابَ» (رواه البخاري)، وامرأة عمران دَعَتْ بصلاح ابنتِها فقالت: ﴿وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾، والصَّالحُ من عباد اللَّه يبتهل إليه سبحانه: ﴿وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ﴾، وعبادُ الرَّحمن يدعونه سبحانه أن تَقَرَّ بهم الأعين ﴿رَبَّنا هَبْ لَنا مِنْ أَزْواجِنا وَذُرِّيَّاتِنا قُرَّةَ أَعْيُنٍ﴾.

وعند قُرْبِ رحيل الآباء تُسَرُّ أفئدتُهم بصلاحِ أبنائهم، قال سبحانه: ﴿أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعقُوبَ المَوتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعبُدُونَ مِنْ بَعدِي قَالُواْ نَعبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ ءَابَآئِكَ إِبرَاهِيمَ وَإِسمَاعِيلَ وَإِسحَاقَ إِلَهاً وَحِداً وَنَحْنُ لَهُ مُسلِمُونَ﴾.

ويمتدُّ نفعُ الصَّالحين منهم لوالديهم بعد مماتِهم؛ قال عليه الصلاة والسلام: «إِذَا مَاتَ الإِنْسَانُ؛ انْقَطَعَ عَنْهُ عَمَلُهُ إِلَّا مِن ثَلَاثَةٍ: إِلَّا مِن صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ» (رواه مسلم)؛ بل ترتفع درجاتُ الوالد في الجنَّة باستغفار ولده له، قال عليه الصلاة والسلام: «إِنَّ اللَّهَ عز وجل لَيَرْفَعُ الدَّرَجَةَ لِلْعَبْدِ الصَّالِحِ فِي الجَنَّةِ، فَيَقُولُ: يَا رَبِّ، أَنَّى لِي هَذِهِ؟ فَيَقُولُ: بِاسْتِغْفَارِ وَلَدِكَ لَكَ» (رواه أحمد)، وفي الجنَّة يجمعُ اللَّه الصَّالحَ من الآباء والأبناء، قال جل شأنه: ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبائِهِمْ وَأَزْواجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ﴾.

وبعدُ، أيُّها المسلمون:

فالأبناءُ ثِمارُ القلوب، يُقَدِّمون لوالديهم بِرّاً وإحساناً، ويُخَلِّفُون بصلاحِهم مَجْداً وذِكْراً، وسيرةُ نبيِّنا محمَّدٍ صلى الله عليه وسلم مع النَّاشئة أعظمُ سيرةٍ؛ تَواضَعَ لهم وجَالَسهُم وزَارَهُم وعَلَّمَهُم ورَفَع هِمَمَهُم، فَخَرَج منهم أعظَمُ جيلٍ؛ ومَنِ ابتغى الخيرَ للنَّاشئة فَلْيَلْزَمْ هَدْيَ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم في تعامله معهم.

أعوذ باللَّه من الشَّيطان الرَّجيم

﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ عَلَيْهَا مَلاَئِكَةٌ غِلاَظٌ شِدَادٌ لاَ يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾.

بارك اللَّه لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإيَّاكم بما فيه من الآيات والذِّكر الحكيم، أقول قولي هذا واستغفروه، إنَّه هو الغفور الرَّحيم.

بارك اللَّه لي ولكم في القرآن العظيم …

 


الخطبة الثَّانية

الحمدُ للَّه على إحسانه، والشُّكر له على توفيقِه وامتنانِه، وأشهد أن لا إله إلَّا اللَّهُ وحدَه لا شريك له تعظيماً لشأنه، وأشهد أنَّ نبيَّنا مُحمَّداً عبدُه ورسولُه، صلَّى اللَّه عليه وعلى آله وأصحابه وسلَّم تسليماً مزيداً.

أيُّها المسلمون:

العنايةُ بالأولاد مَسْلَكُ الأخيار، وما نَحَلَ والدٌ ولدَه أفضل من دينٍ قويمٍ وخُلُق عظيم، والزَّوجةُ الحاذقةُ تُشَاطِرُ زوجَها أمانةَ إِصْلاحِ أبنائهم وبناتهم، قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: «المَرْأَةُ رَاعِيَةٌ فِي بَيْتِ زَوْجِهَا، وَمَسْؤُولَةٌ عَنْ رَعِيَّتِهَا» (متفق عليه).

وإن رأى الوالدان من الأولاد إعراضاً أو نُفُوراً فلا يَيْأَسان من إصلاحِهم، ولْيُحْذَر الدُّعاء عليهم، قال عليه الصلاة والسلام: «لَا تَدْعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ، وَلَا تَدْعُوا عَلَى أَوْلَادِكُمْ، وَلَا تَدْعُوا عَلَى أَمْوَالِكُمْ؛ لَا تُوَافِقُوا مِنَ اللَّهِ سَاعَةً يُسْأَلُ فِيهَا عَطَاءً فَيَسْتَجِيبَ لَكُمْ» (رواه مسلم)، ولا تُعَنِّفوهم، ولا تعاتبوهم بحَضْرَة الآخرين، فصلاحهم شرفٌ لوالديهم.

ثمَّ اعلموا أنَّ اللَّه أمركم بالصَّلاة والسَّلام على نبيِّه …