
أُلقيت يوم الجمعة، الأول من شهر شعبان، سنة ست وأربعين وأربع مئة وألف من الهجرة، في المسجد النَّبوي.
مترجمة إلى: 29 لغة
الإنجليزية – English الفرنسية – Français البنغالية – বাংলা الأوردية – اردو الأسبانية – Español الألمانية – Deutsch الإيطالية – Italiano الفارسية – فارسى هوسا – Hausa الصينية – 中文 التركية – Türkçe البرتغالية – Português الروسية – русский الهندية – हिन्दी الإندونيسية – Bahasa Indonesia الجورجية – ქართული المليبارية – മലയാളം الماليزية – Bahasa Melayu الألبانية – Shqip السواحلية – Kiswahili التاميلية – தமிழ் السويدية – svenska الكازاخية – Қазақ الفلاتية – Fulfulde الأمهرية – አማርኛ النيبالية – नेपाली भाषा بشتو – پښتو التايلندي – Thai الطاجيكية – тоҷикӣ
إنَّ الحمدَ للَّه، نَحمدُه ونَستعينُه ونَستغفرُه، ونَعوذُ باللَّهِ من شرورِ أنفسِنا ومن سيِّئاتِ أعمالِنا، مَنْ يَهْدِه اللَّهُ فلا مُضلَّ له، ومَنْ يُضْلِلْ فلا هَاديَ له، وأشهد أن لا إله إلَّا اللَّهُ وحدَه لا شريك له، وأشهد أنَّ مُحَمَّداً عبدُه ورسولُه، صلَّى اللَّهُ عليه وعلى آله وأصحابه وسلَّم تسليماً كثيراً.
أمَّا بعدُ:
فاتَّقوا اللَّه عبادَ اللَّه حقَّ التَّقوى، وراقبوه في السِّرِّ والنَّجوى.
أيُّها المسلمون:
خَلَقَ اللَّهُ تعالى الخَلْقَ لعبادتِه وَحْدَه، وأمرهم بتوحيدِه، ونهاهم عن الإشراكِ به، وقَرَّرَ هذا الأمرَ وبَرْهَنَ عليه، وضربَ له الأمثالَ لِتَقْريبِ المعاني للأفهام، وعامَّةُ القرآنِ في تقريرِ هذا الأصلِ العظيمِ؛ الذي هو أصلُ الأصولِ، وأوَّلُ الدِّين وآخرُه، وباطنُه وظاهرُه.
وقد بَيَّن سبحانه في كتابِه كَمالَ صفاتِه؛ لِتُصْرَف العبادةُ له وَحْدَه؛ إذ العبادةُ لا يَستحِقُّها إلَّا مَنْ كان مُتَّصِفاً بصفاتِ الكمال، قال شيخُ الإسلام رحمه الله: «وَصِفَاتُ الكَمَالِ تَرْجِعُ إِلَى ثَلَاثَةٍ: العِلْمُ، وَالقُدْرَةُ، وَالغِنَى»؛ وأوَّلُ الرُّسلِ نوحٌ عليه السلام نَفَى هذه الثَّلاثةَ عن نفسِه فقال: ﴿وَلَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ﴾، وأمر اللَّهُ نبيَّنا مُحمَّداً صلى الله عليه وسلم أن يَبْرَأ من دعوى هذه الثَّلاثةِ بقوله: ﴿قُل لَّا أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ﴾.
وأمَّا اللَّهُ سبحانه فعِلْمُه مُحِيطٌ بكلِّ شيءٍ، ومَفاتِح الغَيب ﴿لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ﴾، ويَعلَمُ ما في الصُّدورِ، والمخلوقُ لا يَعلَمُ ما سيكون في الغدِ، ولا يَعلَمُ ما غاب عن بصرِه، ولا يَعلَمُ عدد شَعَرَاتِ رأسِه.
وأمَّا قدرتُه سبحانه: فخلقَ كلَّ شيءٍ وحدَه دونَ كُلِّ آلهةٍ ومَعبودٍ، والخَلْقُ مُتَّفِقون على ذلك، ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾، قال ابنُ القيِّم رحمه الله: «دَلَّ القُرْآنُ وَالسُّنَّةُ وَالفِطْرَةُ وَأَدِلَّةُ العُقُولِ أَنَّهُ سُبْحَانَهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ»، إذا أرادَ شيئاً يقولُ له ﴿كُنْ﴾، فيكونُ على وَفْقِ ما أرادَ كطرفِ العينِ، ﴿وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ﴾.
ومن كَمالِ قدرتِه: تدبيرُ الأمورِ، فبيدِه سبحانه وحدَه النَّفعَ والضُّرَّ، وهو الذي يَهدِي مَن يشاءُ من عبادِه ويُطعِمُهم ويَسقِيهم، ويَشفيهم ويُمِيتُهم ويُحيِيهم، قال إبراهيم عليه السلام: ﴿الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ * وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ * وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ * وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ﴾، وله المُلْكُ الكاملُ والتَّصرُّفُ المُطلَقُ في السَّمواتِ والأرضِ، بغيرِ شَريكٍ ولا نَديدٍ، يَفعَلُ فيها ما يشاءُ، ولِتَمامِ قدرتِه سَجَدَ له مَنْ في السَّمواتِ ومَنْ في الأرضِ طَوْعاً وكَرْهاً.
وأمَّا غِناهُ سبحانه: فهو الغنيُّ بذاتِه عمَّنْ سواه، العرشُ فما دونَه مُفتَقِرٌ إليه، ومُلْكُه لا يزيدُ بطاعةِ الطائعين، ولا يَنقُصُ بمعصيةِ العاصين، في الحديثِ القدسيِّ: «يَا عِبَادِي، لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أَتْقَى قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مِنْكُمْ مَا زَادَ ذَلِكَ فِي مُلْكِي شَيْئاً، يَا عِبَادِي، لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أَفْجَرِ قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِنْ مُلْكِي شَيْئاً» (رواه مسلم).
وبيدِه سبحانه أرزاقُ العبادِ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا فَابْتَغُوا عِندَ اللَّهِ الرِّزْقَ﴾، قال النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم: «يَدُ اللَّهِ مَلْأَى لَا تَغِيضُهَا – أَيْ: لَا تُنْقِصُهَا – نَفَقَةٌ، سَحَّاءُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ – أَيْ: كَثِيرُةُ الصَبِّ بِالعَطَاءِ –، أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْفَقَ مُنْذُ خَلَقَ السَّمَاءَ وَالأَرْضَ، فَإِنَّهُ لَمْ يَغِضْ – أَيْ: لَمْ يَنْقُصْ – مَا فِي يَدِهِ» (متفق عليه).
وكما بَيَّنَ سبحانه كمالَ صفاتِه بَيَّنَ أنَّ الآلهةَ من دونِه لا تَستَحِقُّ العبادةَ؛ إذ ليس فيها من أوصافِ الرُّبوبيَّةِ شيءٌ؛ فهي لا تَخلُقُ ولا تُغَيِّرُ شيئاً ممَّا أرادَه اللَّه، قال إبراهيم عليه السلام للنُّمرود الذي ادَّعى الرُّبوبيَّةَ: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ المَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ﴾.
ولا تملكُ شيئاً، قال تعالى: ﴿لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَوَاتِ وَلَا فِي الأَرْضِ﴾، ولا تتكلَّمُ، ولا تهدي أحداً لأي أمر، ﴿وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لَا يُكَلِّمُهُمْ وَلَا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا﴾، ولا تسمعُ، ولا تستجيبُ ﴿أَمْواتٌ غَيْرُ أَحْياءٍ﴾، ﴿إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجابُوا لَكُمْ﴾.
ولا تنفعُ، ولا تكشفُ الضُّرَّ، ولا تَقْدِرُ على تحويلِه من موضعٍ إلى موضع، أو نقلِه من مخلوقٍ لآخَر، قال عزَّ وجلَّ: ﴿قُلِ ادْعُواْ الَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِهِ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنكُمْ وَلَا تَحْوِيلاً﴾، ولا تَنصُرُ غيرَها ولا تَنصُرُ نفسَها، قال سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ وَلَا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ﴾، ولا تَمنَعُ أحداً من العذابِ أو تُنقِذُه منه ﴿فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ لَمَّا جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَمَا زَادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ﴾ أي: خَسَارٍ وهَلاكٍ.
ولو اجتمعت جميعُ الآلهةِ التي تُعبَدُ من دونِ اللَّه على خَلْقِ ذُبابٍ واحدٍ لم يَقْدِرُوا؛ بل لو سلبَهم الذُّبابُ شيئاً من حَقيرِ المطاعمِ لَمَا استطاعوا إنقاذَ ذلك منه، قال سبحانه: ﴿ضَعُفَ الطَّالِبُ﴾ أي: طالبُ الذبابِ – وهو المعبودُ من دون اللَّه -، ﴿وَالمَطْلُوبُ﴾ وهو الذُّبابُ، قال ابن القيِّم رحمه الله: «وَهَذَا المَثَلُ مِنْ أَبْلَغِ مَا أَنْزَلَهُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ فِي بُطْلَانِ الشِّرْكِ».
والآلهةُ من دونِ اللَّه لا تملكُ تفريجَ كروبِ النَّاسِ وقضاءَ حوائجِهم، واللُّجوءُ إليها كمَنْ يلجأُ إلى أضعفِ بيتٍ – وهو بيتُ العنكبوتِ -، لذا قال إبراهيمُ عليه السلام: ﴿أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾.
ومَنْ جعلَ الأمواتَ أو الأولياءَ والصَّالحينَ واسطةً بينه وبين اللَّه في الدُّعاء؛ فقد أضاعَ معنى العبوديَّةِ ومقتضيات الرُّبوبيَّةِ، ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾، ولم يَحصُل له إلَّا ضدُّ مقصودِه، ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزّاً * كَلَّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدّاً﴾، وقَعَدَ نادماً على فِعْلِه، مذموماً مدحوراً على شِرْكِه، مخذولاً لا ناصرَ له ولا ولي، قال سبحانه: ﴿لَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُوماً مَخْذُولاً﴾، قال شيخ الإسلام رحمه الله: «مَا رَجَا أَحَدٌ مَخْلُوقاً، أَوْ تَوَكَّلَ عَلَيْهِ إِلَّا خَابَ ظَنُّهُ فِيهِ»، وحالُه كمَن سقطَ من السَّماءِ، فتخطفه الطَّيرُ فتُقَطِّعه، أو تهوي به الرِّيحُ في مكانِ بعيدٍ مُهلِك، قال تعالى: ﴿وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ﴾.
وإذا حَضَرَ المشركين الأجَلُ وسألتْهم الملائكةُ: أين ما تعبدون من دون اللَّه؟ ﴿قَالُوا ضَلُّوا عَنَّا﴾ أي: ذَهَبوا عنَّا، فلا نَرْجُو نفعَهم ولا خيرَهم.
وإذا قامتِ القيامةُ يَجْمَعُ اللَّهُ النَّاسَ «فَيَقُولُ: مَنْ كَانَ يَعْبُدُ شَيْئاً فَلْيَتَّبِعْهُ، فَيَتَّبِعُ مَنْ كَانَ يَعْبُدُ الشَّمْسَ الشَّمْسَ، وَيَتَّبِعُ مَنْ كَانَ يَعْبُدُ القَمَرَ القَمَرَ، وَيَتَّبِعُ مَنْ كَانَ يَعْبُدُ الطَّوَاغِيتَ الطَّوَاغِيتَ» (متفق عليه).
وتنقلبُ المودَّةُ بين العابدِ والمعبودِ من دونِ اللَّه إلى عداوةٍ، ﴿وَإِذا حُشِرَ النَّاسُ كانُوا لَهُمْ أَعْداءً وَكانُوا بِعِبادَتِهِمْ كافِرِينَ﴾، وتتبرَّأُ المعبوداتُ من عَابِدِيها ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا﴾، ويتبرأُ منهم الشيطانُ الذي أمرَهم بالشِّركِ وزينَه لهم، ﴿وَقالَ الشَّيْطانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَما كانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ إِلَاّ أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ﴾، وإذا وُقِفوا على النَّارِ أعادوا النَّدامةَ، ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقَالُوا يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾.
وبعدُ، أيُّها المسلمون:
فجَنَابُ الأُلُوهيَّة متينٌ، لو ادَّعاه مَلَك – ولن يكون – فجزاؤه جهنَّم، ﴿وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ فَذلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ﴾، ومَنْ أشركَ ولو كان نبيّاً – ولم يكن – حَبِطَ عملُه، قال جلَّ شأنه: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الخَاسِرِينَ﴾.
ورُسُلُ اللَّهِ لم يأمروا أحداً بعبادتهم أو عبادةِ غيرِهم من دونِ اللَّه، قال عزَّ وجلَّ: ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الكِتَابَ وَالحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِباداً لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾.
ومَنْ عَبَدَ غيرَ اللَّه، أو عُبِدَ وهو راضٍ، أو دعا النَّاس لعبادةِ نفسِه، فقد توعدَهُ اللَّهُ بجهنَّم، قال تعالى: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنتُمْ لَهَا وَارِدُونَ﴾.
وعبادةُ غيرِ اللَّه مبنيَّةٌ على الجهلِ، ﴿قَالُوا يَا مُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهاً كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾، ولا برهانَ لهم على عبادتهم مع اللَّهِ غيرَه، قال سبحانه: ﴿وَمَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ﴾، وإنَّما هو التَّقليد، ﴿قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ * أَوْ يَنفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ * قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾.
ولِيقِينِهم ببطلانِ عبادتِهم، إذا ألمَّت بهم الخُطُوبُ لَجَؤُوا إلى اللَّه وحده، ﴿فَإِذا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى البَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾، والمؤمنُ يدعو رَبَّه في السَّراءِ والضَّراءِ.
أعوذ باللَّه من الشَّيطان الرَّجيم
﴿ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الباطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ العَلِيُّ الكَبِيرُ﴾.
بارك اللَّه لي ولكم في القرآن…
الحمد للَّه على إحسانه، والشُّكر له على توفيقِه وامتنانِه، وأشهد أن لا إله إلَّا اللَّهُ وحده لا شريك له تعظيماً لشأنه، وأشهد أنَّ نبيَّنا مُحمَّداً عبدُه ورسولُه، صلَّى اللَّه عليه وعلى آله وأصحابه وسلَّم تسليماً مزيداً.
أيُّها المسلمون:
العبادةُ حَقٌّ خالصٌ للَّه وحدَه، لا تُصرَفُ لمخلوقٍ وإن عَظُمَتْ خِلْقَتُه، قال تعالى: ﴿لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾، ولا يملكُ أحدٌ النَّفعَ ودَفْعَ الضُّرِّ ولو عَلَتْ عند اللَّه منزلتُه، قال اللَّهُ لنبيِّنا مُحمَّدٍ صلى الله عليه وسلم: ﴿قُلْ إِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرّاً وَلَا رَشَداً﴾.
والعاقلُ لا يدعو مخلوقاً مثلَه، قال عزَّ وجلَّ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾.
واللَّهُ وحدَه هو مَنْ يُجِيبُ الدُّعاءَ ويَكشِفُ البلاءَ، ﴿لَهُ دَعْوَةُ الحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ﴾.
ثُمَّ اعلموا أنَّ اللَّه أمركم بالصَّلاة والسَّلام …