
أُلقيت يوم الجمعة، السابع والعشرين من شهر جمادى الأولى، سنة ست وأربعين وأربع مئة وألف من الهجرة، في المسجد النَّبوي.
مترجمة إلى 27 لغة :
الإنجليزية – English الفرنسية – Français البنغالية – বাংলা الأوردية – اردو الأسبانية – Español الألمانية – Deutsch الإيطالية – Italiano الفارسية – فارسى هوسا – Hausa الصينية – 中文 التركية – Türkçe البرتغالية – Português الروسية – русский الهندية – हिन्दी الإندونيسية – Bahasa Indonesia الجورجية – ქართული المليبارية – മലയാളം الماليزية – Bahasa Melayu الألبانية – Shqip السواحلية – Kiswahili التاميلية – தமிழ் السويدية – svenska الكازاخية – Қазақ الفلاتية – Fulfulde الأمهرية – አማርኛ النيبالية – नेपाली भाषा بشتو – پښتو
إنَّ الحمدَ للَّه، نَحمدُه ونَستعينُه ونَستغفرُه، ونَعوذُ باللَّهِ من شرورِ أنفسِنا ومن سيِّئاتِ أعمالِنا، مَنْ يَهْدِه اللَّهُ فلا مُضلَّ له، ومَنْ يُضْلِلْ فلا هَاديَ له، وأشهد أن لا إله إلَّا اللَّهُ وحدَه لا شريك له، وأشهد أنَّ مُحَمَّداً عبدُه ورسولُه، صلَّى اللَّهُ عليه وعلى آله وأصحابه وسلَّم تسليماً كثيراً.
أمَّا بعدُ:
فاتَّقوا اللَّه عبادَ اللَّه حقَّ التَّقوى، وراقبوه في السِّرِّ والنَّجوى.
أيُّها المسلمون:
العبودية للَّه تجمع غاية الحب بغاية الذُّل والخُضوع، وهي غايةُ كمال الإنسان، ونصيب العبد من هذا الكمال بحسب نصيبه من عبوديَّته للَّه، وفي السُّجود له سبحانه تَتجلَّى العبوديَّة في أكمل صُورها، وأعظم معانيها، وأعمِّها لسائر الأعضاء؛ ليأخذ كلُّ جزءٍ من البَدَن حظَّه من العبوديَّة، قال شيخ الإسلام: «أَعَزُّ مَا فِي الإِنْسَانِ وَجْهُهُ، فَوَضْعُهُ عَلَى الأَرْضِ لِلَّهِ غَايَةُ خُضُوعِهِ بِبَدَنِهِ، وَهُوَ غَايَةُ مَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ».
والسجود للَّه كثُر ذِكره في القرآن، فتارة أمراً به، وتارة ذمّاً لمَن تركه، وتارة ثناءً على فاعله، وتارة إخباراً عن سجودِ عُظماء الخَلِيقة وعمومِهم؛ فأخبر اللَّه عن الملائكة أنَّهم يسجدون للَّه، قال سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ﴾.
وأثنى سبحانه على أنبيائِه وصفوتِه من أوليائِه لِسُجودهم له، فقال: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّداً وَبُكِيّاً﴾، والذين أُوتوا العلم قبل مَبْعَث رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم ثمَّ أسلموا بعد البِعْثة ﴿إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ﴾ القرآن ﴿يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّداً﴾، وأخبر اللَّهُ أنَّه ﴿إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّداً﴾.
وكان نبيُّنا محمد صلى الله عليه وسلم يُظهِر افتقارَه وذُلَّه للَّه بطول السُّجود في قيام الليل، قالت عائشة رضي الله عنها: «يَسْجُدُ السَّجْدَةَ مِنْ ذَلِكَ قَدْرَ مَا يَقْرَأُ أَحَدُكُمْ خَمْسِينَ آيَةً قَبْلَ أَنْ يَرْفَعَ رَأْسَهُ» (رواه البخاري)، ويتوسل إلى اللَّه بسجوده ويقول: «اللَّهُمَّ لَكَ سَجَدْتُ، وَبِكَ آمَنْتُ، وَلَكَ أَسْلَمْتُ، سَجَدَ وَجْهِي لِلَّذِي خَلَقَهُ وَصَوَّرَهُ، وَشَقَّ سَمْعَهُ وَبَصَرَهُ، تَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الخَالِقِينَ» (رواه مسلم).
ومن عبادة الصحابة: كثرة السُّجود للَّه؛ حتى ظَهر السَّمت والخُشوع على وجوههم، قال تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾.
وأمر اللَّهُ جميع الثَّقلَين بالسُّجود له، قال تعالى: ﴿فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا﴾، وذمَّ الذين لا يسجدون فقال: ﴿فَمَا لَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ * وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لَا يَسْجُدُونَ﴾، وهدهدُ سليمانَ عليه السلام أنكر على قوم لا يسجدون للَّه ﴿أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ﴾.
وأحبُّ الأعمال إلى اللَّه الصَّلاةُ؛ والسُّجود أفضل أفعالِها، ولا يتكرَّر ركن مرتين في ركعةٍ سِواه، ونصيب الأرض منه أكثرُ من نصيبها من جميع الأفعال، فالعبد يَسجد على سبعة أعضاء، ومواضع الصلاة سُمِّيت به فقيل: مَسْجِد، قال ابن القيِّم رحمه الله: «السُّجُود سِرُّ الصَّلَاةِ، وَرُكْنُهَا الأَعْظَمُ، وَخَاتِمَةُ الرَّكْعَةِ، وَمَا قَبْلَهُ مِنَ الأَرْكَانِ كَالمُقَدِّمَاتِ لَهُ».
ولمَّا كان السُّجود غايةَ الذُّلِّ للَّه والانكسار، ونهايةَ المَسْكَنة والافتقار؛ كان اقتِراباً من اللَّه، قال تعالى: ﴿وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ﴾، فأمر أن يجتهد السَّاجد في الدُّعاء لِقُرْبِه من القَرِيب المُجِيب، قال النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم: «أَقْرَبُ مَا يَكُونُ العَبْدُ مِنْ رَبِّهِ وَهُوَ سَاجِدٌ؛ فَأَكْثِرُوا الدُّعَاءَ» (رواه مسلم).
السُّجود خضوعٌ بين يدي الرَّبِّ، وخشوعٌ له، وتَذَلُّلٌ لِعَظَمَته، وهو سببٌ لِرِفْعَة الدَّرجات، وحَطِّ الخَطِيئات، قال النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم: «عَلَيْكَ بِكَثْرَةِ السُّجُودِ لِلَّهِ، فَإِنَّكَ لَا تَسْجُدُ لِلَّهِ سَجْدَةً؛ إِلَّا رَفَعَكَ اللَّهُ بِهَا دَرَجَةً، وَحَطَّ عَنْكَ بِهَا خَطِيئَةً» (رواه مسلم).
وإذا اشتدَّت الكروب، وضاق الصَّدر من الهموم؛ فالسُّجود يُبَدِّدُها، لمَّا كُذِّب النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم ضاق صدرُه وعَظُم كَرْبُه؛ فأمره اللَّهُ أنْ يَلْجَأَ إلى ربِّه بالتَّسبيح والسُّجود: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ﴾.
في السُّجود إِغَاظة وتحزين للشَّيطان؛ لِمَا يرى من استجابة المؤمن لربِّه وعبوديَّته له، قال عليه الصلاة والسلام: «إِذَا قَرَأَ ابْنُ آدَمَ السَّجْدَةَ فَسَجَدَ؛ اعْتَزَلَ الشَّيْطَانُ يَبْكِي، يَقُولُ: يَا وَيْلَهُ! أُمِرَ ابْنُ آدَمَ بِالسُّجُودِ فَسَجَدَ؛ فَلَهُ الجَنَّةُ، وَأُمِرْتُ بِالسُّجُودِ فَأَبَيْتُ؛ فَلِيَ النَّارُ» (رواه مسلم).
وفي آخر الزمان تكون السَّجْدَةُ الواحِدة خيراً من الدنيا وما فيها، قال النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم: «وَيَفِيضُ المَالُ حَتَّى لَا يَقْبَلَهُ أَحَدٌ، حَتَّى تَكُونَ السَّجْدَةُ الوَاحِدَةُ خَيْراً مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا» (متفق عليه).
وفي أرض المَحْشَر إذا أصاب الناسَ من الكَرْب ما لا يُطيقون، بحثوا عمَّن يشفع لهم عند ربِّهم؛ كَي يُفَرِّج عنهم ما هم فيه، حتَّى إذا أَتَوا إلى النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم؛ لِيَشْفَع لهم عند ربِّهم لِفَصْل القضاء بين العباد، قال عليه الصلاة والسلام: «فَأَنْطَلِقُ حَتَّى أَسْتَأْذِنَ عَلَى رَبِّي، فَيُؤْذَنَ لِي، فَإِذَا رَأَيْتُ رَبِّي وَقَعْتُ سَاجِداً، فَيَدَعُنِي مَا شَاءَ اللَّهُ، ثُمَّ يُقَالُ: ارْفَعْ رَأْسَكَ وَسَلْ تُعْطَهْ، وَقُلْ يُسْمَعْ، وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ، فَأَرْفَعُ رَأْسِي، فَأَحْمَدُهُ بِتَحْمِيدٍ يُعَلِّمُنِيهِ، ثُمَّ أَشْفَعُ» (متفق عليه).
وهو عَلامةٌ يَعرف بها النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم أمَّته يوم القيامة، قال النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم: «مَا مِنْ أُمَّتِي مِنْ أَحَدٍ إِلَّا أَنَا أَعْرِفُهُ يَوْمَ القِيَامَةِ؛ فَإِنَّ أُمَّتِي يَوْمَئِذٍ غُرٌّ مِنَ السُّجُودِ، مُحَجَّلُونَ مِنَ الوُضُوءِ» (رواه أحمد).
وهو أَمارة بين المؤمنين والمنافقين في الآخرة، فلا يُمكَّن من السُّجود للَّه في عَرَصات القيامة إلَّا مَن كان سُجودُه خَالِصاً للَّه في الدنيا، قال تعالى: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ﴾، قال النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم: «يَكْشِفُ رَبُّنَا عَنْ سَاقِهِ فَيَسْجُدُ لَهُ كُلُّ مُؤْمِنٍ وَمُؤْمِنَةٍ، وَيَبْقَى مَنْ كَانَ يَسْجُدُ فِي الدُّنْيَا رِئَاءً وَسُمْعَةً، فَيَذْهَبُ لِيَسْجُدَ فَيَعُودُ ظَهْرُهُ طَبَقاً وَاحِداً – أَيْ: يَصِيرُ عَظْماً وَاحِداً بِلَا مِفْصَلٍ، لَا يَنْثَنِي، فَلَا يَقْدِرُ أَنْ يَسْجُدَ -» (متفق عليه).
وإن دخل الموحِّدُ النَّارَ بذنوبه، فالنَّار لا تمسُّ أثرَ سُجودِه، قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: «تَأْكُلُ النَّارُ مِنِ ابْنِ آدَمَ إِلَّا أَثَرَ السُّجُودِ، حَرَّمَ اللَّهُ عَلَى النَّارِ أَنْ تَأْكُلَ أَثَرَ السُّجُودِ» (متفق عليه)، قال النووي رحمه الله: «ظَاهِرُ هَذَا: أَنَّ النَّارَ لَا تَأْكُلُ جَمِيعَ أَعْضَاءِ السُّجُودِ السَّبْعَةِ».
بكثرة السُّجود تَعْلُو مَنَازلُ العَبْدِ في الجنَّة، سأل رَبِيعةُ الأسلميُّ رضي الله عنه النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم مرافقتَه في الجنَّة، فقال له: «أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ؟ قَالَ: هُوَ ذَاكَ، فَقَالَ لَهُ: أَعِنِّي عَلَى نَفْسِكَ بِكَثْرَةِ السُّجُودِ» (رواه مسلم)، قال الشَّوكاني رحمه الله: «السُّجُودُ مِنْ أَعْظَمِ القُرَبِ الَّتِي يَكُونُ بِسَبَبِهَا ارْتِفَاعُ الدَّرَجَاتِ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى إِلَى حَدٍّ لَا يَنَالُهُ إِلَّا المُقَرَّبُونَ».
وبعد، أيُّها المسلمون:
فالسُّجود عبادة عظيمة اجتمعت عليه كلُّ المخلوقات في السموات والأرض، كلٌّ بحسبه، قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً وَظِلَالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ﴾، قال النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم لأبي ذرٍّ رضي الله عنه: «أَتَدْرِي أَيْنَ تَذْهَبُ هَذِهِ الشَّمْسُ؟ قُلْتُ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: فَإِنَّهَا تَذْهَبُ فَتَسْجُدُ تَحْتَ العَرْشِ» (متفق عليه).
وخضوع الآدمي للرَّبِّ لا يَتِمُّ إلا بالسُّجود، والرَّبُّ لا يَرْضى من الناس بدون هذا الخُضوع؛ إذ هو غَاية خضوع العبد، وهو فرضٌ في الجُملة على كلِّ أحد.
والسُّجود حقٌّ للَّه، فلا يُسجد لشيء من المخلوقات وإن كَبُرت وعَظُمت، قال تعالى: ﴿لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾، قال شيخ الإسلام رحمه الله: «نُصُوصُ السُّنَّةِ وَإِجْمَاعُ الأُمَّةِ تُحَرِّمُ السُّجُودَ لِغَيْرِ اللَّهِ فِي شَرِيعَتِنَا، تَحِيَّةً أَوْ عِبَادَةً».
أعوذ باللَّه من الشَّيطان الرَّجيم
﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾.
بارك اللَّه لي ولكم في القرآن…
الحمد للَّه على إحسانه، والشُّكر له على توفيقِه وامتنانِه، وأشهد أن لا إله إلَّا اللَّهُ وحده لا شريك له تعظيماً لشأنه، وأشهد أنَّ نبيَّنا مُحمَّداً عبدُه ورسولُه، صلَّى اللَّه عليه وعلى آله وأصحابه وسلَّم تسليماً مزيداً.
أيُّها المسلمون:
مَن امتنع أن يَذِلَّ للَّه؛ ذَلَّ لغير اللَّه عقوبة له، فإبليس امتنع من امتثال أمرِ اللَّه بالسُّجود؛ فَصَيَّره اللَّهُ أذلَّ الأَذَلِّين، ومَن أَنِف أن يَعْبُدَ اللَّهَ وحده ويسجدَ له؛ ذَلَّ لعبادِه المخلوقِين.
وقد أمر اللَّهُ قوماً أن يدخلوا الباب سُجَّداً ويقولوا: حِطَّة – أي: احْطُطْ عنَّا ذنوبَنا -، فلم يمتثلوا، فأنزل اللَّهُ بهم بأسَه وعذابَه، قال سبحانه: ﴿فَأَنْزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾، وكلُّ مَن لم يذلَّ للَّه ويَخْضَع له توعَّده اللَّهُ بالنَّار، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ أي: صاغرين ذليلين.
ثُمَّ اعلموا أنَّ اللَّه أمركم بالصَّلاة والسَّلام …