انتظر قليلا 0%

خطبة الجمعة | الرؤيا في المنام | ١٦ صفر ١٤٤٥



الرُّؤيَا فِي المَنَامِ

أُُلقيت يوم الجمعة، السادس عشَر من شهر صَفَر، سنة خمس وأربعين وأربع مئة وألف من الهجرة، في المسجد النَّبوي

تحميل word   تحميل PDF   |   البنغالية – বাংলা   الألمانية – Deutsch   الإنجليزية – English   الأسبانية – Español   الفارسية – فارسى   الفرنسية – Français   هوسا – Hausa   الهندية – हिन्दी   الإندونيسية – Bahasa Indonesia   الإيطالية – Italiano   الجورجية – ქართული   المليبارية – മലയാളം   الماليزية – Bahasa Melayu  البرتغالية – Português   الروسية – русский   الألبانية – Shqip   السواحلية – Kiswahili   التاميلية – தமிழ்   الطاجيكية – тоҷикӣ   التركية – Türkçe   الأوردية – اردو   الصينية – 中文


إنَّ الحمدَ للَّه، نَحمدُه ونَستعينُه ونَستغفرُه، ونَعوذُ باللَّهِ من شرورِ أنفسِنا ومن سيِّئاتِ أعمالِنا، مَنْ يَهْدِه اللَّهُ فلا مُضلَّ له، ومَنْ يُضْلِلْ فلا هَاديَ له، وأشهد أن لا إله إلَّا اللَّهُ وحدَه لا شريك له، وأشهد أنَّ مُحَمَّداً عبدُه ورسولُه، صلَّى اللَّهُ عليه وعلى آله وأصحابه وسلَّم تسليماً كثيراً.

أمَّا بعدُ:

فاتَّقوا اللَّهَ – عِبادَ اللَّهِ – حقَّ التَّقوى، وراقِبُوهُ في السِّرِّ والنَّجوى.

أيُّها المسلمون:

أسبغَ اللَّهُ على عبادِه نعمَه ظاهرةً وباطنةً في يقظتهم ومنامهم، وهو سبحانه يدبِّر الأمر في الليل والنهار، وبحكمتِه حَجَبَ عِلمَ الغيبِ عنِ الخلقِ، ولا سبيلَ إلى معرفةِ الغيبِ إلَّا ما يُطلع اللَّهُ عليه رسلَه، قال سبحانه: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ ‌فَلَا ‌يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَداً * إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَداً﴾.

ومن نِعمِ اللَّهِ الباطنةِ وعجائبِ صنعِه الباهرةِ؛ أن أبقَى جزءاً من النُّبوَّةِ لمعرفةِ شيءٍ منَ الغيبِ يُطلِع عليه مَن يشاءُ من عبادِه في منامِهم، قال النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم: «لَمْ يَبْقَ مِنَ النُّبُوَّةِ إِلَّا المُبَشِّرَاتُ، قَالُوا: وَمَا المُبَشِّرَاتُ؟ قَالَ: الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ» (رواه البخاري)، ففيها من بديعِ علمِ اللَّهِ ولطفِه ما يزيدُ المؤمنَ في إيمانه، فتُنْبِؤه عنِ الماضي والحالِ والمستقبلِ ما يُغنِيه عن كذبِ الكُهَّانِ ونحوِهم، وفيها حثٌّ على الخيرِ، وتحذيرٌ من الشَّرِ، وبِشارةٌ ونِذارةٌ.

وللرؤيا في الشَّرع مقامٌ عظيم؛ فهي مع الأنبياءِ عليهم السلام تثبيتٌ لهم في أشدِّ المِحَنِ والأحداثِ، وهي وحيٌ لهم دون غيرِهم؛ قال إبراهيمُ لإسماعيلَ عليهما السلام: ﴿يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ﴾؛ فرفعَ اللَّهُ مقامَ إبراهيمَ بتصديقِه الرُّؤيا وامتثالِه أمرَ ربِّه، فأبقى له ثناءً صادقاً جيلاً بعد جيلٍ، قال تعالى: ﴿‌وَتَرَكْنَا ‌عَلَيْهِ ‌فِي ‌الآخِرِينَ * سَلَامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ * كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾.

ويوسفُ عليه السلام بدأت حياتُه برؤيا، ﴿يَا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً وَالشَّمْسَ وَالقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ﴾؛ وتحقَّقَتْ رؤياه بعزٍّ له ورِفعة، ﴿‌وَرَفَعَ ‌أَبَوَيْهِ ‌عَلَى ‌الْعَرْشِ ‌وَخَرُّوا ‌لَهُ ‌سُجَّداً﴾.

وأوَّلُ الخيرِ والنُّورِ لهذهِ الأمَّةِ كان بالرُّؤيا؛ قالت عائشةُ رضي الله عنها: «كَانَ أَوَّلُ مَا بُدِئَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مِنَ الوَحْيِ: الرُّؤْيَا الصَّادِقَةُ فِي النَّوْمِ، فَكَانَ لَا يَرَى رُؤْيَا إِلَّا جَاءَتْ مِثْلَ فَلَقِ الصُّبْحِ» (متفق عليه).

وفي غزوةِ بدرٍ أرَى اللَّهُ نبيَّه النَّصرَ في المنامِ فأخبر أصحابَه بِه، فقَوِيَت قلوبُهم واجتَرَؤُوا على حَرْب عدوِّهم مع قلَّتِهم، ﴿إِذْ يُرِيكَهُمْ اللَّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلاً وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيراً لَفَشِلْتُمْ وَلَتَنَازَعْتُمْ فِي الأَمْرِ وَلَكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ﴾.

وبُشِّر النبي صلى الله عليه وسلم بفتح مكة في المنام وهو في المدينة: ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لا تَخَافُونَ﴾، ففتحها اللَّه له بعد عام.

وكان النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم إذا رأى رؤيا يقصُّها على أصحابه؛ بل إذا صلَّى الصُّبحَ أقبلَ على أصحابِه بوجهِه ويسألُهم: «هَلْ رَأَى أَحَدٌ مِنْكُمُ البَارِحَةَ رُؤْيَا؟» (متفق عليه).

وأصلُ تشريعِ الأذانِ إقرارٌ منَ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم لرؤيا رآها الصَّحابيُّ عبدُ اللَّه بنُ زيدٍ رضي الله عنه، قال: «فَلَمَّا أَصْبَحْتُ أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَأَخْبَرْتُهُ بِمَا رَأَيْتُ، فَقَالَ: إِنَّهَا لَرُؤْيَا حَقٌّ إِنْ شَاءَ اللَّهُ، فَقُمْ مَعَ بِلَالٍ فَأَلْقِ عَلَيْهِ مَا رَأَيْتَ فَلْيُؤَذِّنْ بِهِ» (رواه أحمد).

قال ابنُ عبد البَرِّ: «أَجْمَعَ أَئِمَّةُ الهُدَى مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ مِنْ عُلَمَاءِ المُسْلِمِينَ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالجَمَاعَةِ عَلَى ‌الإِيمَانِ ‌بِهَا».

والرُّؤى ثلاثةُ أقسام؛ واحدةٌ منهن حقٌّ لا بدَّ من وُقُوعِها، والاثنتان إمَّا من الشيطان، وإما أضغاثُ أحلام، قال النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم: «الرُّؤْيَا ثَلَاثَةٌ: فَرُؤْيَا الصَّالِحَةِ بُشْرَى مِنَ اللَّهِ، وَرُؤْيَا تَحْزِينٌ مِنَ الشَّيْطَانِ، وَرُؤْيَا مِمَّا يُحَدِّثُ المَرْءُ نَفْسَهُ» (رواه مسلم).

فالرؤيا الصالحةُ تَسُرُّ المؤمنَ ولا تَغُرُّه، وهي جزءٌ منَ النُّبوَّةِ، قال عليه الصلاة والسلام: «رُؤْيَا المُؤْمِنِ جُزْءٌ مِنْ سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءاً مِنَ النُّبُوَّةِ» (متفق عليه)، وهي من المُبَشِّراتِ الباقيةِ بعدَ النُّبوَّةِ، سُئِلَ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم عن قولِه تعالى: ﴿لَهُمُ البُشْرَى فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ﴾ فَقَالَ: «هِيَ الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ يَرَاهَا المُسْلِمُ، أَوْ تُرَى لَهُ» (رواه أحمد).

والرُّؤيا الصَّادقةُ جزءٌ من النُّبوَّةِ، والنُّبوَّةُ وَحْيٌ، والكاذبُ في نومِه كاذبٌ على اللَّهِ أنَّه أَراهُ ما لم يَرَه، قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ مِنْ أَفْرَى الفِرَى – أَيْ: أَكْذَبَ الكَذِبَ –: أَنْ يُرِيَ عَيْنَيْهِ مَا لَمْ تَرَ» (رواه البخاري)، ويُؤمرُ يومَ القيامةِ بما لا قدرةَ له عليه مبالغةً في التَّعذيبِ، قال النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم: «مَنْ تَحَلَّمَ بِحُلْمٍ لَمْ يَرَهُ؛ كُلِّفَ أَنْ يَعْقِدَ بَيْنَ شَعِيرَتَيْنِ، وَلَنْ يَفْعَلَ» (رواه البخاري).

والرُّؤيا وإن اختصَّتْ بأهل الصَّلاحِ غالباً فقد تَقَعُ لغيرِهم؛ فقد عبَّرَ يوسفُ عليه السلام رؤيا صاحِبَيِ السِّجنِ فوَقَعَت، وعبَّرَ رؤيا الملكِ الكافرِ – سبعَ بقراتٍ – فكانت حقّاً، قال البخاريُّ في صحيحه: «بَابُ رُؤْيَا أَهْلِ السُّجُونِ وَالفَسَادِ وَالشِّرْكِ»، وقال ابنُ حزمٍ رحمه الله: «وَقَدْ تَصْدُقُ رُؤْيَا الكَافِرِ وَلَا تَكُونُ حِينَئِذٍ جُزْءاً مِنَ النُّبَوَّةِ، وَلَا مِنَ المُبَشِّرَاتِ، وَلَكِنْ إِنْذَاراً لَهُ وَلِغَيْرِهِ وَوَعْظاً».

ورؤيا النَّهارِ حقٌّ كرؤيا اللَّيل؛ دخلَ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم على أُمِّ حَرَامٍ بنتِ مِلْحَانَ رضي الله عنها، فَقَالَ عندها – من القيلولةِ في النَّهارِ -، فرأى رؤيا، فقَصَّها عليها (متفق عليه). 

ومَن رأى رؤيا يُحِبُّها استُحِبَّ له أن يَحمَدَ اللَّهَ عليها، وأن يَستبشِرَ بها، وأن يُحَدِّثَ بها مَن يُحِبُ، أمَّا الحاسدُ والكائدُ فلا يحدِّثْهُما بما رأى، قال يعقوبُ عليه السلام: ﴿يَا بُنَيَّ ‌لَا ‌تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْداً﴾.

ومَن رأى ما يكرهُ يُسَنُّ أن يتعوَّذَ باللَّه من شَرِّها، ومن شرِّ الشَّيطانِ، ويبصقَ عن يسارهِ ثلاثاً، ويتحوَّلَ عن جنبِه الذي كان عليه، ولا يُحدِّثْ بها أحداً، ولْيَقُم فَلْيُصَلِّ، قال النَّوَوِيُّ رحمه الله: «وَإِنِ اقْتَصَرَ عَلَى بَعْضِهَا أَجْزَأَهُ فِي ‌دَفْعِ ‌ضَرَرِهَا ‌بِإِذْنِ ‌اللَّهِ ‌تَعَالَى؛ ‌كَمَا ‌صَرَّحَتْ بِهِ الأَحَادِيثُ».

و‌تأويلُ ‌الرُّؤيا ‌من ‌علومِ ‌الأنبياءِ وأهلِ الإيمانِ، وهو عِلمٌ عزيزٌ يجمعُ بين الموهبةِ والاكتسابِ، ونعمةٌ يَمُنُّ اللَّهُ بها على مَن يشاء، قال تعالى إخباراً عن يوسفَ عليه السلام: ﴿‌وَلِنُعَلِّمَهُ ‌مِنْ ‌تَأْوِيلِ ‌الْأَحَادِيثِ﴾.

والتعبيرُ فتوى لا يجوزُ لأحدٍ الخَوْضُ فيها  بغير عِلمٍ، قال يوسفُ عليه السلام ‌للفَتَيَيْن: ﴿قُضِيَ الأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ﴾، وقال الملِكُ: ﴿أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ﴾، وقال الفتى ليوسفَ: ﴿أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ﴾، وهو مبنيٌّ على القياسِ والتَّمثيلِ واعتبارِ المعقولِ بالمحسوسِ، قال ابنُ القيِّمِ رحمه الله: «‌أَمْثَالُ ‌القُرْآنِ ‌كُلُّهَا ‌أُصُولٌ ‌وَقَوَاعِدُ لِعِلْمِ التَّعْبِيرِ لِمَنْ أَحْسَنَ الِاسْتِدْلَالَ بِهَا، وَكَذَلِكَ مَنْ فَهِمَ القُرْآنَ فَإِنَّهُ يُعَبِّرُ بِهِ الرُّؤْيَا أَحْسَنَ تَعْبِيرٍ، وَأُصُولُ التَّعْبِيرِ الصَّحِيحَةِ إنَّمَا أُخِذَتْ مِنْ مِشْكَاةِ القُرْآنِ».

ومَن رَغِبَ في تعبيرِ رؤياه فلا يُعبِّرْها إلَّا عند عالمٍ بالتَّأويلِ؛ فليس كلُّ مَن تَصَدَّرَ يُحسِنُ أن يُعَبِّرَ، ولا مَنِ اقتصرَ على كُتبِ الرؤيا معبِّرٌ؛ فلها حالٌ مع الأشخاصِ والزمانِ والمكانِ؛ قيل لمالكٍ رحمه الله: «أَيَعْبُرُ الرُّؤْيَا كُلُّ أَحَدٍ؟ فَقَالَ: أَبِالنُّبُوَّةِ يُلْعَبُ؟!».

ومَن وهبهُ اللَّهُ حُسنَ التَّأويلِ فَلْيَلْزَمْ تقوى اللَّهِ وَلْيَبْتَعِدْ عنِ الرِّياءِ وحُبِّ الشُّهْرَةِ، وَلْيَسْأَلْ ربَّه العونَ والسَّدادَ، وَلْيَحْذَرِ العُجْبَ فإنَّه سالبٌ للنِّعَم، وَلْيَحْمَدِ اللَّهَ على هذه النِّعْمَةِ، قال يوسفُ عليه السلام شاكراً لنِعْمَةِ اللَّه: ﴿‌رَبِّ ‌قَدْ ‌آتَيْتَنِي ‌مِنَ ‌المُلْكِ ‌وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ﴾.

والمُفتي، والمُعبِّرُ، والطَّبيبُ يَطَّلعونَ من أسرار النَّاسِ وعوراتِهم ما لا يَطَّلِع عليه غيرُهم، فعليهم استعمالُ السَّتْرِ فيما لا يَحْسُنُ إظهارُه.

والرؤيا الصادقةُ واقعةٌ لا محالةَ، سواءٌ عُبِّرت أم لا، فيعقوبُ قال ليوسفَ عليهما السلام: ﴿‌لَا ‌تَقْصُصْ ‌رُؤْيَاكَ﴾، ولم يَعْبُرْها ومع هذا وَقَعَتْ.

والمعبِّرُ إنما يكشفُ حقيقةَ ما دلَّت عليه الرؤيا، وقد يصيبُ وقد يُخطئُ، قال النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم لأبي بكرٍ رضي الله عنه بعد تعبيرِه لرؤيا: «أَصَبْتَ بَعْضاً وَأَخْطَأْتَ بَعْضاً» (متفق عليه).

وأمَّا زمنُ وقوعِها فقد تَقَعُ حالاً، وقد يتأخَّرُ وقوعُها قليلاً أو كثيراً، قال عبدُ اللَّه بنُ شدادٍ رحمه الله: «‌وَقَعَتْ ‌رُؤْيَا ‌يُوسُفَ ‌بَعْدَ ‌أَرْبَعِينَ ‌سَنَةً، وَإِلَيْهَا ‌يَنْتَهِي أَقْصَى الرُّؤْيَا».

وَلْيَعْلَمِ المسلمُ أنَّ ما يقضيه اللَّهُ له خيرٌ، سواءٌ في العاجلِ أو الآجل.

وبعدُ، أيُّها المسلمون:

فحين بَعُدَ العهدُ بالنبوةِ وآثارِها؛ عوَّضَ اللَّهُ المؤمنين بالرؤيا، قال النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم: «إِذَا اقْتَرَبَ الزَّمَانُ – أَيَ: قَرُبَ قِيَامُ السَّاعَةِ – لَمْ تَكَدْ تَكْذِبُ رُؤْيَا المُؤْمِنِ» (متفق عليه)، وأمَّا زمنُ قوَّةِ نورِ النُّبوَّةِ؛ ففي ظهورِ نورِها وقوَّتِه ما يُغني عن الرُّؤيا.

وأصدقُ النَّاسِ رؤيا أصدقُهم حديثاً في اليقظةِ؛ قال النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم: «أَصْدَقُكُمْ رُؤْيَا أَصْدَقُكُمْ حَدِيثاً» (رواه مسلم)، قال ابنُ حجر رحمه الله: «مَنْ كَانَ غَالِبُ حَالِهِ الصِّدْقَ فِي يَقَظَتِهِ اسْتَصْحَبَ ذَلِكَ فِي نَوْمِهِ فَلَا يَرَى إِلَّا صِدْقاً، وَهَذَا بِخِلَافِ ‌الكَاذِبِ ‌وَالمُخَلِّطِ؛ ‌فَإِنَّهُ ‌يَفْسُدُ ‌قَلْبُهُ ‌وَيُظْلِمُ فَلَا يَرَى إِلَّا تَخْلِيطاً وَأَضْغَاثاً».

فالزمِ الصدقَ في الحديثِ، ولازمِ التقوى؛ تظفَرْ بخيرَيِ الدنيا والآخرة.

أعوذ باللَّه من الشيطان الرجيم

﴿‌وَرَفَعَ ‌أَبَوَيْهِ ‌عَلَى ‌الْعَرْشِ ‌وَخَرُّوا لَهُ سُجَّداً وَقَالَ يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقّاً﴾.

بارك اللَّهُ لي ولكم في القرآنِ العظيم …


الخطبة الثَّانية

الحمدُ للَّهِ على إحسانِه، والشُّكرُ لهُ على توفيقِه وامتِنانِه، وأَشهدُ أن لَا إلهَ إلَّا اللَّهُ وحدَه لا شريكَ لهُ تعظِيماً لشَأنِه، وأَشهدُ أنَّ نبيَّنا مُحمَّداً عبدُهُ ورسولُه، صلَّى اللَّهُ عليهِ وعلى آلِه وأصحابِه وسلَّمَ تسلِيماً مزيداً.

أيُّها المسلمون:

الدِّينُ كَمُلَ بموتِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، والرُّؤيا لا يَثبتُ بها شيءٌ من الأحكامِ، قال الشَّاطبيُ رحمه الله: «فَائِدَتُهَا – أَيِ: الرُّؤْيَا – البِشَارَةُ أَوِ النِّذَارَةُ خَاصَّةً، وَأَمَّا اسْتِفَادَةُ الأَحْكَامِ فَلَا».

واللَّهُ حَفِظَ نبيَّنا مُحمَّداً صلى الله عليه وسلم من تَمَثُّلِ الشَّيطانِ به، فمَن رآه في المنامِ فقد رآه حقّاً، قال النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم: «مَنْ رَآنِي فِي المَنَامِ فَقَدْ رَآنِي؛ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ لَا يَتَمَثَّلُ فِي صُورَتِي» (متفق عليه).

ومَن رأى النَّبيَّ في المنامِ لا يدلُّ على أنَّه خيرٌ من غيرِه، ومَن رآه على غيرِ صفتِه الواردةِ في السُّنَّةِ والسِّيرةِ، أو رآه يأمرهُ بباطلٍ؛ فهي أضغاثُ أحلامٍ، والخيرُ في اتباعِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم.

ثمَّ اعلموا أنَّ اللَّهَ أمركم بالصَّلاة والسَّلام على نبيِّه…