انتظر قليلا 0%

خطبة الجمعة | حفظ اللَّه للدين | ٥ ربيع الآخر ١٤٤٢



للتحميل PDF    للتحميل word


حفظ اللَّه للدِّين([1])

إنَّ الحمدَ للَّهِ، نحمَدُه ونَستعينُه ونَستغفرُه، ونعوذُ باللَّه من شُرورِ أنفُسِنا ومن سيِّئات أعمالِنا، من يهدِه اللَّهُ فلا مُضِلَّ له، ومن يُضلِلْ فلا هاديَ له، وأشهدُ ألَّا إله إلَّا اللَّهُ وحده لا شريك له، وأشهدُ أنَّ مُحمَّداً عبدُه ورسولُه، صلَّى اللَّهُ عليه وعلى آله وأصحابه وسلَّم تسليماً كثيراً.

أمَّا بعد:

فاتَّقوا اللَّه – عباد اللَّه – حقَّ التَّقوى، فتقوى اللَّهِ؛ نورُ البصائر، وبها تَحْيَا القلوبُ والضَّمائر.

أيُّها المسلمون:

اختار اللَّه لعباده ديناً يتعبدون به ربَّهم، وبَعَثَ رُسُلاً لتبليغه لهم، واتَّفقت كلمةُ العُلماءِ على أنَّ حفظ الدِّين رأسُ الضرورياتِ الخمس، فحِفْظُه مُقدَّم على حفظ النَّفس والعقل والعِرْض والمال.

وكانت مهمَّةُ حفظ الدِّين في الأُمم السَّالفةِ موكولة إلى الأنبياءِ وأتباعهم، قال تعالى: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَا ٱلتَّوْرَىٰةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا ٱلنَّبِيُّونَ ٱلَّذِينَ أَسْلَمُواْ لِلَّذِينَ هَادُواْ وَٱلرَّبَّٰنِيُّونَ وَٱلْأَحْبَارُ بِمَا ٱسْتُحْفِظُواْ مِن كِتَٰبِ ٱللَّهِ وَكَانُواْ عَلَيْهِ شُهَدَاءَ﴾، وبعد رحيلهم نال دينهم التَّحريفُ والتَّبديل، أمَّا هذه الأُمَّة فالذي تولَّى حفظ دينها هو اللَّه، قال سبحانه: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنِّا لَهُ لَحَافِظُون﴾، ووعدُهُ يتضمن حفظ ألفاظ القرآنِ العظيم ومعانيه، وحفظَ السُّنة المبيِّنة له إلى قيام السَّاعة.
فانتدب سبحانه لذلك أشرفَ خلقه، وكرَّمهم به، وجعل اشتغالهم بحفظ دينه من أعظم مناقبهم، وأخصِّ مآثرهم.

فاصطفى جبريلَ عليه السَّلام واسطةً بينه وبين رُسُله في تبليغ الدِّين، فَحَفِظَ ما أوحى إليه ربَّه من كلامه سبحانه، ونزل به على نبيِّنا محمَّدٍ صلى اللَّه عليه وسلم، وكان يُذَاكره القرآنَ كُلَّ عام مرة، وعرض عليه القرآن عام وفاته مرتين، فأدَّاه على أتمِّ وجهٍ وأكمل صفة، قال جلَّ وعلا: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنزيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ * نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ﴾.

ولغيره من الملائكة نصيبٌ وافرٌ في حفظ الدِّين، فمنهم مُرصودون في السَّماء؛ لحفظ الوحي من استراق الشياطين، ومنهم مَنْ نَزَل من السَّماءِ مع الآيات العظام، ومنهم مَنْ قاتل مع النَّبي صلى اللَّه عليه وسلَّم في غزواته؛ حماية للدِّين ونُصرةً لأهلِه.

والأنبياءُ عليهم السَّلام حَفِظوا الدِّين كما أمَرَهُم اللَّه به، واحتملوا في ذلك من المشاق ما لا يُطيقه أحدٌ سواهم، فمنهم من أُوذي، ومنهم من أُخرج من بلده، ومنهم من لم يستجب أحدٌ لدعوته، ومنهم من قُتِل، قال سبحانه: ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُلُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾.

ونبيُّنا محمَّدٌ صلى اللَّه عليه وسلم أحرصُ ما يكونُ على حفظِ ما أُنزل إليه من ربِّه، فكان يُسابق جبريلَ بقراءة القرآنِ إذا ألقاه إليه؛ خوفاً من النِّسيان، فضمن له ربُّه أن يُيَسِّر لَهُ حفظه ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ * إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ * فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾.

وقد لقي النَّبي صلى اللَّه عليه وسلم في سبيل حفظ الدِّين وتبليغه لأُمَّتِه أشدَّ الأذى، فرُمي بالكذبِ والكهانة، وطُعن في عقلِهِ وعِرْضِه، وأُخرج من بلَدِه، وعُمِلَ له السِّحرُ، وتكالب عليه الأعداء، وقاتَلَه قومه، فشُجَّ في رأسِهِ، وكُسرت رَبَاعيته، وقُتِلَ أصحابُهُ بين يديه.

وكان النَّبي صلى اللَّه عليه وسلم يأمُرُ أصحابه بحفظ القرآن وتعاهُدِهِ وأَذِن لهم في كتابته، وكتابة سنَّتِه،وأمرهم بتبليغهما فقال:«بَلِّغُوا عَنِّي وَلَوْ آيَةً» رواهُ البخاري، فحرص الصَّحابةُ رضي اللَّه عنهم أشدَّ الحرص على حفظ الدِّين، واعتنوا بذلك عنايةً عظيمة لا يبلغها أحدٌ بعدهم، فكتبوا القرآن الكريم على الجلود والعظام والحجارة، وحَفِظوه في صدورهم، وبلَّغوهُ غضاً طرياً إلى مَنْ بَعْدَهم، ونقلوا إليهم سُنَّة نبيّهم عليه الصَّلاة والسَّلام قولاً وفعلاً، قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ رحمه اللَّه: «كُنْتُ أَكْتُبُ عِنْدَ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي اللَّه عنهما فِي صَحِيفَتِي حَتَّى أَمْلَأَهَا، ثُمَّ أَكْتُبُ فِي ظَهْرِ نَعْلِي، ثُمَّ أَكْتُبُ فِي كَفِّي»، وتحرَّوا في ذلك غاية التَّحري مع دقة نقل ألفاظِ الحديث والنُّصح للأُمَّة، قال شيخ الإسلام رحمه اللَّه: «وكلُّ خير فيه المسلمون اليومَ إلى يوم القيامة من الإيمانِ والإسلامِ والقرآنِ والعلمِ والمعارفِ والعباداتِ ودخول الجنَّةِ والنَّجاةِ من النَّارِ فإنَّما هُو ببركةِ ما فعله الصَّحابةُ الذين بلَّغوا الدِّين».

ثمَّ قيَّض اللَّه من بعدهم علماءَ يجمعهم الصِّدق في تعليم النَّاس وحفظ الدِّين، لم يخصوا ببلد أو قومٍ أوجنسٍ أو لونٍ؛ بل فيهم الصِّغارُ والكبار، والفقراءُ والأغنياء، والعبيدُ والأحرار، والوضعاءُ والوجهاء، ومنهم الصَّحيح القوي، ومنهم الأعمى والأعورُ والأعرج والأصم، فكتبُوا وحفِظوا وارتحلوا وصبَرُوا على الفقرِ والجوعِ والخوفِ والأذى، وبذلُوا أنفسهم وأموالَهم وأعمارَهم ما جعلَهم آيةً في تحقيق ما وَعَد اللَّه بحفظِهِ من أمر الدِّين.

وتبحَّر كلُّ صنفٍ من العُلماءِ في فنِّه، وكان أكثرُهم جامعين بين أنواعه مضيفين إليه من علمِ الدُّنيا ما فيه نفعُ الخلق.

فأهلُ القرآنِ والتَّفسيرِ أحصَوا ألفاظَ القرآن وحروفه، وبيَّنوا معنى كل كلمة فيه سواءً كانت مفردةً أومركبة، وضبطوا قراءاته وما تشابه من آياته، وأتقنوا طرق أدائه، وما يلزم لتجويد حروفه وإحسانِ تلاوته، وشرحوا غريبه واستنبطوا أحكامَه، وحرَّرُوا وقت نزول كل آية ومكانها في سفرٍ أم حضر، وفي صيفٍ أم شتاء، وفي ليلٍ أم نهار، وعلى دابة أم على الأرضِ أو على بِساط، وأسبابَ نزوله ومَنْ نزل فيه، ومواضعَ الوقف والابتداء في كلماته، وشرحوا فضائله وآدابَ تلاوته وتعلُّمه وتعليمه، ودوَّنُوا فيه كل صغير وكبير مما يبقى به القرآنُ محفوظَ اللفظ والمعنى، قال علي بن عبيد اللَّه رحمه اللَّه: «مكث محمد بن جرير رحمه اللَّه في تفسيره أربعينَ سنه».

وانبرى علماءُ النَّقل والنُّقادِ لعلم الرِّواية والإسناد فطافوا البلدانَ، وصبروا على مرارة الاغتراب ومُقَاسَاة الأحوال، منهم الإمام أحمد رحمه اللَّه طاف الدُّنيا مرتين حتَّى جمع المسند، فحفِظوا أقوال النَّبي صلى اللَّه عليه وسلم وأفعالَه وتقريراته، وضبطوا ألفاظه ورواياته، واختلاف الرُّواة واتِّفاقهم وزيادة بعضهم على بعض فَلَمْ تفتهم من سُنَّةِ النَّبي صلى اللَّه عليه وسلم مقالةٌ ولا حادثةٌ ولا خبرٌ ولا قِصةٌ ولا هيئةٌ ولا صفةٌ ولا شيء، قال أبو حاتمٍ الرَّازي رحمه اللَّه: «أوَّل ما خرجتُ في طلب الحديث أقمتُ سبعَ سنين، أحصيتُ ما مشيتُ على قَدَمَيّ زيادةً على ألفِ فرسخ – أي: أكثرُ من ثمانية آلاف كيلو متر -، ولم أزل أُحصي حتى لما زاد على ألف فرسخ تركته – أي: العَد -»، جمعوا الحديث وصنَّفوه، صحاح ومسانيد، سَنَنَ ومعاجم ومصنَّفات، انتقوها من آلاف الرِّوايات، ومقدمهم في ذلك الإمامُ البخاري رحمه اللَّه قال عن صحيحه: «صنَّفتُ الصحيح في ست عشرة سنه وخرَّجته من ستمائة ألفِ حديث، وجعلتُهُ حُجَّةً بيني وبين اللَّه»، قال النَّووي رحمه اللَّه: «اتَّفق العُلماءُ على أنَّ أَصَح الكتب بعد القرآنِ العزيز الصَّحيحان البُخاري ومسلم وتلقتهما الأُمَّة بالقبول»، جهابذة العلماء جَلَّوا معاني الأحاديث، وتكلَّموا على الرواة ومراتبهم، وأوضحوا المشكلاتِ، وشرحوا المبهمَات، وكشفوا التَّصحيف والتّحريف، وكانوا حراساً على السُّنة يذبّون عنها الكذب والتَّبديل، فلا يروج عليهم حرفٌ فما فوقه من الكذب، واختصت هذه الأُمَّة من بين الأُمم بالإسناد، ومعرفة الصحيح من السَّقيم، ولم يكن عند الأُمم قبلنا إسنادٌ ولا تمييزٌ بين أقوالِ أنبيائِهم وما زيد فيها، قال سفيان الثَّوري رحمه اللَّه: «الملائكةُ حُرَّاسُ السَّماء وأصحاب الحديث حُرَّاس الأرض».

وعلماءُ العقيدة بيَّنوا مسائل الاعتقاد وقرروها وجمعوا أدلتها ويسَّرها للنَّاس، وأبانوا لهم ربوبية اللَّه وأسمائه وصفاته، وأنَّ ألوهيته لازمة لذلك، وأبطلوا شبه المشبهين جامعين بين المنقول والمعقول.

والفقهاءُ مهَّدوا بأفهامِهم الثَّاقبةِ طريق الاستنباط من القرآنِ والحديث، ووضعوا للفقه أصولاً، وقواعدَ جامعة، وأشباهاً ونظائر، فكانت آلةَ استخراج الأحكامِ من النُّصوص ومعيار الفهم الصحيح، وبيَّنوا أحكام أفعال المكلَّفين، وفرّعوها فروعاً؛ ليسهُل الوقوفُ عليها، وقاسوا النَّوازل على المنصوصِ، وأوضحوا تفاصيل العبادات والمعاملات.

واللغةُ آلةُ العلم، بها يُفْهَم ويعقل ويُبَلَّغ وينقل، فاتَّخذ العلماءُ الوحيَ مصدرها الأول، ثم تتبعوا ألفاظَ اللغة من أفواه العرب فجمعوها ورتَّبوها ودوَّنوا معانيها وقرَّبوها، وميَّزوا اللحنَ من الصَّواب، ووضعوا قواعدَ تضبط الإعرابَ، وتقيم الألسن، وتحفظُ البيان، وتُدْرَك بها بلاغتُه، وتوزن بها فصاحته.

والتَّاريخ ديوانُ الخليقة ومرشدٌ إلى سنن اللَّه في بريته، وأشرفُ ما فيه سيرة نبيِّنا محمَّدٍ صلى اللَّه عليه وسلم، فدوَّن علماءُ السِّيرة حياةَ النَّبي صلى اللَّه عليه وسلم وشمائله وأخلاقهُ وصفاته وهيئاته، وكلَّ دقيق منها وجليل، من اسمهِ ونسبهِ وعمُرِه، ومولده ووفاته، وبعثتِهِ وما بُعث بِهِ وهجرته، وأزواجه وبنيه وبناته، وأصحابهِ وأحبابِهِ، وصفةِ خَلْقه، وشمائلِه وخُلُقه، وسراياهُ وغزواته، وآنيته وسيوفه ورماحه، ودوابِّهِ وألوان ثيابه، وصفة نعله ونوع الطِّيب الذي كان يتطيَّب به، وهيئته في نومه، وعدد أنفاسه إذا شرب الماء، وصفة أكلِه وما كان يُحب منه، وصفة مشيه وضحكه وبكاءه، وعدد الشعرات البيض في لحيته ورأسه.

ولا زال العلماءُ قرناً بعد قرنٍ يحفظون الدِّين وينقلونه لمن بعدهم، جامعين بين العلم والعبادة، كان شيخ الإسلامِ رحمه اللَّه إذا صلَّى الفجر جَلَس يذكر اللَّه إلى قريبٍ من انتصاف النَّهار.

دوَّنوا الكتبَ وعلَّموا وبذلوا فيه الأوقات، كتب ابن الجوزي رحمه اللَّه بيده أكثر من ألفي مجلد، وقال ابن كثير رحمه اللَّه عن كتابه جامِعِ المسانيد: «لا زلتُ أكتب فيه في الليل والسِّراج ينونص –أي: يضعف- حتى ذهب بصري معه»، صبروا على الشَّدائد والمصاعب، أفضى بالإمام مالك رحمه اللَّه طلبُ الحديث إلى أن نقض سقف بيته فباع خشبه، وقيل للشَّعبي رحمه اللَّه: «من أين لك هذا العلم كله؟ قال: بالسَّير في البلاد، وصبرٍ كصبر الجماد».

ومَنْ نَظَرَ في سِيَرِهِم ظنَّ أنَّها ضربٌ من الخيال أو مبالغةٌ في المقال، ولكنْ هذا حال العلماءِ العظام الذين تحقَّق على أيديهم قول النَّبي صلى اللَّه عليه وسلَّم: «ليبلغنَّ هذا الأمر – أي: الدِّين – ما بلَغ اللَّيل والنَّهار، ولا يترك اللَّه بيتَ مدرٍ – أي: المدن – ولاوبَرِ – أي: البادية – إلا أدخلهُ اللَّه هذا الدِّين» رواه أحمد.

وبعد أيُّها المسلمون:

فقد تفضل اللَّه علينا بحفظ الإسلامِ قروناً متطاولة، فوصلَنا غضاً طرياً كأنَّه نزل هذه السَّاعة وسيبقى كذلك إلى قيام السَّاعة، لم تُطمس منه شعيرةٌ، ولم يسقط من القرآن العظيم حرفٌ، ولم يُفقد من السُّنَّة شيءٌ مع مرور الزَّمان وتقلباتِهِ بما فيه من الحوادث والحروب، والفقرِ والجوع، والفُرقة والنِّزاع والكيدِ للدِّين، والتَّطاول على أحكامِهِ والسُّخرية بتشريعاتِهِ ورسُولِه.

والمؤمنُ يسعى غاية جهده ليكون ممَّن شَرُفَ بحفظ الشريعة ونقلها، بطلب العلم والحثِّ عليه وتنشئة أبنائِهِ على محبة الدِّين وحفظه وتعلُّمه وتعليمه، واقتدائه بمن سلف من علماءِ الأُمَّةِ، ففيه العِزُّ والخير.

 

أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ

﴿مِنَ المؤْمنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّه عَلَيهِ فَمِنهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَن يَنْتَظِر وَمَا بَدِّلُوا تَبْدِيلًا * لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّدِقِيْنَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِيْنَ إِنْ شَآءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُوراً رَحِيْماً﴾.

بارك اللَّه لي ولكم في القرآن العظيم …

 

الخطبة الثانية

الحمد للَّهِ على إحسانه، والشُّكرُ له على توفيقِهِ وٱمتِنانِه، وأشهد ألَّا إله إلَّا اللَّهُ وحده لا شريكَ له تَعْظِيماً لشَأْنِه، وأشهد أنَّ نبيَّنا مُحمَّداً عبدُه ورسولُه، صلَّى اللَّهُ عليه وعلى آلِه وأصحابِه وسلَّمَ تسليماً مَزِيداً.

أيُّها المسلمون:

على العبادِ أن يشكروا اللَّه أَنْ حَفِظَ لهم الإسلام، ورزقهم اتباعه.

 وتوقيرُ العُلماءِ من تعظيم اللَّه وتعظيم الدِّين، فهم الذين حَمَلوا لنا ميراث النُّبوة، وقد أعلى اللَّه شأنهم بقوله: ﴿يَرْفَعِ اللَّه الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ والَّذينَ أُوتُوا العِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ قال الإمامان أبو حنيفة والشافعيُّ رحمهما اللَّه: «إِنْ لَمْ يَكُنْ العُلَمَاءُ أولياء اللَّه فليس للَّه وليّ»، وعقيدةُ أهل السُّنة والجماعة في العُلماء ما قاله الإمام الطَّحاوي رحمه اللَّه بقوله: «وعلماءُ السَّلف من السَّابقين والتَّابعين، ومَنْ بَعْدَهُمْ مِنْ أَهْلِ الخبَرِ والأثر، وأهلُ الفقه والنَّظر، لا يذكرون إلا بالجميل، ومَنْ ذَكَرَهُمْ بِسُوءٍ فَهُو على غير السَّبيل».

ثُمَّ ٱعلمُوا أنَّ اللَّهَ أمرَكم بالصَّلاةِ والسَّلامِ عَلى نبيِّه …

([1]) ألقاها الشيخ د. عَبْدُ المُحْسِنِ بْنِ مُحَمَّدٍ القَاسِمِ وَفَّقَهُ اللَّهُ، يوم الجمعة، الخامس من شهر ربيع الآخر، سنة اثنتين وأربعين وأربعمئة وألف من الهجرة، في مسجد الرسول ﷺ.