
أُلقيت يوم الجمعة، الأول من شهر رجب، سنة أربعين وأربع مئة وألف من الهجرة، في المسجد النَّبويِّ.
إنَّ الحمدَ للَّه، نَحمدُه ونَستعينُه ونَستغفرُه، ونَعوذُ باللَّهِ من شرورِ أنفسِنا ومن سيِّئاتِ أعمالِنا، مَنْ يَهده اللَّهُ فلا مُضلَّ له، ومَنْ يُضْلِلْ فلا هَاديَ له، وأشهد أن لا إله إلا اللَّه وحدَه لا شريك له، وأشهد أنَّ مُحَمَّداً عبدُه ورسولُه، صلَّى اللَّه عليه وعلى آله وأصحابه وسلَّم تسليماً كثيراً.
أمَّا بعدُ:
فاتَّقوا اللَّه – عبادَ اللَّه – حقَّ التَّقوى؛ فمَنِ اتَّقى ربَّه ارْتَقَى درجات، وطَابَ مآلُه بعد الممات.
أيُّها المسلمون:
يصطفي اللَّهُ مِنْ خَلْقِه ما يشاء، وله سبحانه الحكمةُ والحمدُ في خلقه واصطفائه، ومِن تعظيم اللَّه: تعظيمُ ما اختاره واجتباه، والدَّهرُ مَطِيَّةُ العباد إلى ربهم، وفيه يتزوَّدُون للآخرة بزاد الطَّاعات، ومن خيرِ ما يُثَقِّلُ به العبدُ صحائفَ أعمالِه: طاعةُ اللَّه في الأوقات الفاضلة.
وقد اختار اللَّه يوماً ذَكَرَه في كتابه، وسُمِّيَت سورةٌ باسمه دون غيره من الأيَّام، لا مِثلَ له في أيام الأسبوع، فهو أشرفها وأكرمها؛ قال عليه الصلاة والسلام: «خَيْرُ يَوْمٍ طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ: يَوْمُ الجُمُعَةِ» (رواه مسلم)، أَقْسَمَ اللَّهُ به في كتابه؛ فقال: ﴿وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ﴾، قال ابن عبَّاسٍ رضي الله عنهما: «الشَّاهِدُ: يَوْمُ الجُمُعَةِ، وَالمَشْهُودُ: يَوْمُ عَرَفَةَ».
في الجمعة أمرٌ كونيٌّ عظيمٌ؛ ففيه أتمَّ اللَّهُ خلقَ السَّمواتِ والأرضِ؛ قال تعالى: ﴿إنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السمَوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾، قال ابنُ كثيرٍ رحمه الله: «وَفِيهِ – أَيْ: فِي يَوْمِ الجُمُعَةِ – اجْتَمَعَ الخَلْقُ كُلُّهُ».
في هذا اليوم شَرَفٌ لآدمَ وذرِّيَّتِه، وفيه حدثٌ لا يُنْسى؛ قال عليه الصلاة والسلام: «فِيهِ – أَيْ: فِي يَوْمِ الجُمُعَةِ – خُلِقَ آدمُ، وَفِيهِ أُدْخِلَ الجَنَّةَ، وَفِيهِ أُخْرِجَ مِنْهَا» (رواه مسلم).
ولفضلِ هذا اليومِ على غيره من الأيام أكمَلَ فيه الدِّينَ، «قَالَ رَجُلٌ مِنَ اليَهُودِ لِعُمَرَ بْنِ الخَطَّاب رضي الله عنه: يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ! آيةٌ فِي كِتَابِكُمْ تَقْرَؤُوْنَهَا، لَوْ عَلَيْنَا مَعشَرَ اليَهُودِ نَزَلَتْ لَاتَّخَذْنَا ذَلِكَ اليَوْمَ عِيداً، قَالَ: أَيُّ آيةٍ؟ قَالَ: ﴿اليَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلَامَ دِيناً﴾، فَقَالَ عُمَرُ رضي الله عنه: إِنِّي لَأَعْلَمُ اليَوْمَ الَّذِي نَزَلَتْ فِيهِ، وَالمَكَانَ الَّذِي نَزَلَتْ فِيهِ؛ نَزَلَتْ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بِعَرَفَاتٍ فِي يَوْمِ جُمُعَةٍ» (متفق عليه).
يومٌ اختَّصت به هذ الأُمَّة فهدانا اللَّه له وأضلَّ عنه غيرَنا؛ قال عليه الصلاة والسلام: «نَحْنُ الآخِرُونَ السَّابِقُونَ يَوْمَ القِيَامَةِ، بَيْدَ أَنَّهُمْ أُوتُوا الكِتَابَ مِنْ قَبْلِنَا، ثُمَّ هَذَا يَوْمُهُمُ الَّذِي فُرِضَ عَلَيْهِمْ، فَاخْتَلَفُوا فِيهِ؛ فَهَدَانَا اللَّهُ، فَالنَّاسُ لَنَا فِيهِ تَبَعٌ، اليَهُودُ غَداً، وَالنَّصَارَى بَعْدَ غَدٍ» (متفق عليه).
ولاختصاص هذه الأُمَّة به حُسِدَتْ عليه حين هداها اللَّه إليه؛ قال عليه الصلاة والسلام: «إِنَّهُمْ – أَيِ: اليَهَودَ – لَا يَحْسُدُونَا عَلَى شَيْءٍ كَمَا يَحْسُدُونَا عَلَى يَوْمِ الجُمُعَةِ الَّتِي هَدَانَا اللَّهُ لَهَا وَضَلُّوا عَنْهَا» (رواه أحمد).
في الجُمُعةِ رفعُ الدَّرجاتِ وتكفيرُ السَّيِّئاتِ؛ قال عليه الصلاة والسلام: «الصَّلَوَاتُ الخَمْسُ، وَالجُمُعَةُ إِلَى الجُمُعَةِ؛ كَفَّارَةٌ لِمَا بَيْنَهُنَّ، مَا لَمْ تُغْشَ الكَبَائِرُ» (رواه مسلم).
وفيه يُنعِمُ اللَّهُ على عباده بِفتحِ أبوابِ فضلِه، فلا يَرُدُّ لهم في زمنٍ منه دعوةً؛ قال عليه الصلاة والسلام: «وَإِنَّ فِي الجُمُعَةِ لَسَاعَةٌ، لَا يُوَافِقُهَا مُسْلِمٌ يَسْأَلُ اللَّهَ فِيهَا خَيْراً؛ إِلَّا أَعْطَاهُ إِيَّاهُ» (متفق عليه)، وهي في آخِر ساعةٍ بعدَ العصرِ؛ قال عليه الصلاة والسلام: «فَالْتَمِسُوهَا آخِرَ سَاعَةٍ بَعْدَ العَصْرِ» (رواه أبو داود)، قال الإمامُ أحمدُ رحمه الله: «أَكْثَرُ الأَحَادِيثِ فِي السَّاعَةِ الَّتِي تُرْجَى فِيهَا إِجَابَةُ الدَّعْوَةِ أَنَّهَا بَعْدَ العَصْرِ».
ويوم القيامة أمرٌ مَهُولٌ ولا يكون إلا في يومٍ عظيم؛ قال عليه الصلاة والسلام: «وَلَا تَقُومُ السَّاعَةُ إِلَّا فِي يَوْمِ الجُمُعَةِ» (رواه مسلم)، وفيه يصبحُ كلُّ ما على الأرض خائفاً يخشى أن تقومَ السَّاعةُ فيه سوى ابنِ آدم؛ قال عليه الصلاة والسلام: «مَا عَلَى الأَرْضِ مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا وَهِيَ تُصْبِحُ يَوْمَ الجُمُعَةِ مُصِيخَةً – أَيْ: مُسْتَمِعَةً – حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ شَفَقَةً مِنَ السَّاعَةِ، إِلَّا ابْنَ آدَمَ» (رواه النسائي).
وفضائلُ هذا اليومِ ممدودةٌ للمؤمنين في الجنَّة، وأعظمُ النَّعيم لهم فيها رؤيةُ ربِّهم، وفي كلِّ جمعةٍ يَتَجلَّى اللَّهُ لهم، وهذا هو يوم المزيد؛ قال تعالى: ﴿لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾، قال أنسٌ رضي الله عنه: «يَظْهَرُ لَهُمُ الرَّبُّ عز وجل فِي كُلِّ جُمُعَةٍ».
ولاجتماع المسلمين في الدُّنيا فيه على الطَّاعة يكافؤهم اللَّهُ باجتماعٍ خيرٍ منه؛ قال عليه الصلاة والسلام: «إِنَّ فِي الجَنَّةِ لَسُوقاً، يَأْتُونَهَا كُلَّ جُمُعَةٍ – يَعْنِي: مَجْمَعاً لَهُمْ يَجْتَمِعُونَ كَمَا يَجْتَمِعُ النَّاسُ فِي الدُّنْيَا – فَتَهُبُّ رِيحُ الشَّمَالِ؛ فَتَحْثُو فِي وُجُوهِهِمْ وَثِيَابِهِمْ، فَيَزْدَادُونَ حُسْناً وَجَمَالاً، فَيَرْجِعُونَ إِلَى أَهْلِيهِمْ وَقَدِ ازْدَادُوا حُسْناً وَجَمَالاً، فَيَقُولُ لَهُمْ أَهْلُوهُمْ: وَاللَّهِ لَقَدِ ازْدَدْتُمْ بَعْدَنَا حُسْناً وَجَمَالاً» (رواه مسلم).
ومنازلُ المؤمنين في القُرْبِ من اللَّه في الجنَّة على قَدرِ مسارعتِهم إلى الجمعة؛ قال ابنُ مَسعُودٍ رضي الله عنه: «سَارِعُوا إِلَى الجُمُعَةِ؛ فَإِنَّ اللَّهَ يَبْرُزُ لِأَهْلِ الجَنَّةِ فِي كُلِّ جُمُعَةٍ فِي كَثِيبٍ مِنْ كَافُورٍ فَيَكُونُونَ فِي قُرْبٍ مِنْهُ عَلَى قَدْرِ تَسَارُعِهِمْ إِلَى الجُمُعَةِ فِي الدُّنْيَا».
الجمعةُ يومٌ عظيم، اختُصَّ بعبادات ليس في غيرها من الأيام؛ فمن طلوع فجرها يبدأ التذكيرُ بها، وقد كان النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم يقرأُ في صلاة فجرها بـ﴿الم * تَنْزِيلُ﴾ السجدةِ، و﴿هَلْ أَتَى عَلَى الإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ﴾ (متفق عليه)، قال شيخ الإسلام رحمه الله: «إِنَّمَا كَانَ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم يَقْرَأُ هَاتَيْنِ السُّورَتَيْنِ فِي فَجْرِ الجُمُعَةِ؛ لِأَنَّهُمَا تَضَمَّنَتَا مَا كَانَ وَيَكُونُ فِي يَوْمِهَا».
وهو يومُ جَمالٍ وزينةٍ؛ فبعدَ طلوعِ شمسِه يبدأُ زمنُ الاغتسال، والطِّيبُ، والسِّواكُ له مَزيَّة فيه على غيره؛ قال صلى الله عليه وسلم: «غُسْلُ يَوْمِ الجُمُعَةِ عَلَى كُلِّ مُحْتَلِمٍ، وَسِوَاكٌ، وَيَمَسُّ مِنَ الطِّيبِ مَا قَدَرَ عَلَيْهِ» (متفق عليه)، والتَّجمُّلُ بالثِّياب من تمام الزِّينة في هذا اليوم؛ قال عليه الصلاة والسلام: «مَا عَلَى أَحَدِكُمْ إِنْ وَجَدَ سَعَةً أَنْ يَتَّخِذَ ثَوْبَيْنِ لِيَوْمِ الجُمُعَةِ سِوَى ثَوْبَيْ مِهْنَتِهِ» (رواه ابن ماجه)، ورأى عمر بن الخطَّاب رضي الله عنه حُلَّةً عندَ بابِ المَسْجدِ فقال: «يَا رَسُولَ اللَّهِ! لَوِ اشْتَرَيْتَ هَذِهِ؛ فَلَبِسْتَهَا يَوْمَ الجُمُعَةِ وَلِلْوَفْدِ إِذَا قَدِمُوا عَلَيْكَ» (متفق عليه)
والسَّعيُ للجمعة ثوابُه مضاعَف، قال عَبَايَة بن رِفَاعة رحمه الله: «أَدْرَكَنِي أَبُو عَبْسٍ وَأَنَا أَذْهَبُ إِلَى الجُمُعَةِ، فَقَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: مَنِ اغْبَرَّتْ قَدَمَاهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ؛ حَرَّمَهُ اللَّهُ عَلَى النَّارِ» (رواه البخاري).
والتَّبكيرُ إلى الجمعة يَتسابقُ إليه المسلمون لاختصاصِ التَّبكيرِ إليها بِمَا لا يختصُّ به غيرُها؛ قال عليه الصلاة والسلام: «مَنِ اغْتَسَلَ يَوْمَ الجُمُعَةِ غُسْلَ الجَنَابَةِ، ثُمَّ رَاحَ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَدَنَةً، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الثَّانِيَةِ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَقَرَةً، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الثَّالِثَةِ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ كَبْشاً أَقْرَنَ، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الرَّابِعَةِ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ دَجَاجَةً، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الخَامِسَةِ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَيْضَةً، فَإِذَا خَرَجَ الإِمَامُ حَضَرَتِ المَلَائِكَةُ يَسْتَمِعُونَ الذِّكْرَ» (متفق عليه).
والملائكةُ لها شأنٌ يومَ الجُمُعةِ على أبوابِ المساجد، وتُحِبُّ الذِّكْرَ وتُنصِتُ لخطبة الجمعة؛ قال عليه الصلاة والسلام: «إِذَا كَانَ يَوْمُ الجُمُعَةِ كَانَ عَلَى كُلِّ بَابٍ مِنْ أَبْوَابِ المَسْجِدِ مَلَائِكَةٌ يَكْتُبُونَ الأَوَّلَ فَالأَوَّلَ، فَإِذَا جَلَسَ الإِمَامُ؛ طَوَوُا الصُّحُفَ، وَجَاؤُوا يَسْتَمِعُونَ الذِّكْرَ» (متفق عليه).
ومَنْ جلس في المسجد يَنتظرُ صلاةَ الجمعة جعَل الإسلامُ له حرمةً، فلا يجوز لأحدٍ أن يُقِيمَه من مكانه ويَجلسَ فيه؛ قال عليه الصلاة والسلام: «لَا يُقِيمَنَّ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ يَوْمَ الجُمُعَةِ، ثُمَّ لْيُخَالِفْ إِلَى مَقْعَدِهِ فَيَقْعُدَ فِيهِ؛ وَلَكِنْ يَقُولُ: افْسَحُوا» (رواه مسلم)، بل وتَحرُمُ أَذيَّتُه ولو بحركة؛ «رَأَى النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم رَجُلاً يَتَخَطَّى النَّاسَ يَومَ الجُمُعَةِ فَقَالَ: اجْلِسْ! فَقَدْ آذَيْتَ» (رواه أبو داود).
في هذا اليوم العظيم يَجتمعُ المسلمون في مَظْهرٍ من مظاهرِ ائتِلَافِهِم، فيُنصتون لمن يُذَكِّرهم باللَّهِ ويُقرِّبُهم منه، وخطبةُ الجمعةِ لها وَقْعٌ في النُّفوس يُصغَى إليها بالفؤاد وسكون الجوارح، ويَحْرُم على المستمع لها الانشغالُ عنها ولو بِلَمْسِ الحَصَى؛ قال عليه الصلاة والسلام: «مَنْ مَسَّ الحَصَى؛ فَقَدْ لَغَا» (رواه مسلم).
وكما نَهَى النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم المُستمعينَ إليها عن الانشغالِ بالفعل نَهَاهُم أيضاً عن الحديث ولو بكلمة؛ قال عليه الصلاة والسلام: «إِذَا قُلْتَ لِصَاحِبِكَ: أَنْصِتْ يَوْمَ الجُمُعَةِ، وَالإِمَامُ يَخْطُبُ؛ فَقَدْ لَغَوْتَ» (متفق عليه).
في خطبة الجمعة توجيهاتٌ ومواعظُ وتعريفٌ باللَّهِ ورسوله ودين الإسلام؛ لذا أوجَب اللَّهُ البِدَارَ إليها فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا البَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾، قال ابن القيِّم رحمه الله: «وَمَنْ تأمَّلَ خُطَبَ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم وَخُطَبَ أَصْحَابِهِ وَجَدَهَا كَفِيلَةً بِبَيَانِ الهُدَى وَالتَّوْحِيدِ، وَذِكْرِ صِفَاتِ الرَّبِّ جل جلاله، وَأُصُولِ الإِيمَانِ الكُلِّيَّةِ وَالدَّعْوَةِ إِلَى اللَّهِ، وَذِكْرِ آلَائِهِ تَعَالَى الَّتِي تُحَبِّبُهُ إِلَى خَلْقِهِ، وَأَيَّامِهِ الَّتِي تُخَوِّفُهُمْ مِنْ بَأْسِهِ، وَالأَمْرِ بِذِكْرِهِ وَشُكْرِهِ الَّذِي يُحَبِّبُهُمْ إِلَيْهِ، فَيُذْكَرُونَ مِنْ عَظَمَةِ اللَّهِ وَصِفَاتِهِ وَأَسْمَائِهِ مَا يُحَبِّبُهُ إِلَى خَلْقِهِ، وَيُؤْمَرُونَ مِنْ طَاعَتِهِ وَشُكْرِهِ وَذِكْرِهِ مَا يُحَبِّبُهُمْ إِلَيْهِ، فَيْنَصَرِفُ السَّامِعُونَ وَقَدْ أَحَبُّوهُ وَأَحَبَّهُمْ».
ثمَّ يُؤدِّي المسلمون فرضاً من فروض الإسلام يَجهرُ الإمامُ فيه بسُوَرٍ مُذَكِّرة بالحالِ والمآل: الأعلى والغاشية، أو الجمعة والمنافقون.
ولمُحبَّةِ نفوسِ المؤمنين لِوَصْلِ الطَّاعةِ بأُخْرَى يوم الجمعة، نَهَى النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم عن وَصْل صلاة الجمعة بنافلةٍ بعدَها؛ قال معاوية رضي الله عنه: «إِذَا صَلَّيْتَ الجُمُعَةَ فَلَا تَصِلْهَا بِصَلَاةٍ حَتَّى تَكَلَّمَ أَوْ تَخْرُجَ؛ فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَمَرَنَا بِذَلِكَ: أَنْ لَا تُوصَلَ صَلَاةٌ بِصَلَاةٍ حَتَّى نَتَكَلَّمَ أَوْ نَخْرُجَ» (رواه مسلم).
وبعد صلاة الجمعة يَنصرفُ النَّاسُ إلى معاشهم وفرحهم بذلك اليوم، فشرع النَّبيُّ عليه الصلاة والسلام سُنَّة الجمعة في المسجد بعدَها أربعاً بسلامينِ، قال عليه الصلاة والسلام: «إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمُ الجُمُعَةَ؛ فَلْيُصَلِّ بَعْدَهَا أَرْبَعاً» (رواه مسلم)، ومَنْ صلَّى في بيته النَّافلة صلاها ركعتين.
يومُ عبادةٍ وقُربة لا ينقضي بصلاة الجمعة فحسب، بل يُستحب للمسلم أن يقضي ما بقي من يومه في ذِكْر اللَّه وما يُقَرِّبه إلى ربه، قال تعالى: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾، وآثارُ الطَّاعةِ في يوم الجُمُعةِ تَظْهَرُ إلى عشرة أيَّام بعده؛ قال عليه الصلاة والسلام: «لَا يَغْتَسِلُ رَجُلٌ يَوْمَ الجُمُعَةِ، وَيَتَطَهَّرُ مَا اسْتَطَاعَ مِنْ طُهْرٍ، وَيَدَّهِنُ مِنْ دُهْنِهِ – أَوْ: يَمَسُّ مِنْ طِيبِ بَيْتِهِ -، ثُمَّ يَخْرُجُ فَلَا يُفَرِّقُ بَيْنَ اثْنَيْنِ، ثُمَّ يُصَلِّي مَا كُتِبَ لَهُ، ثُمَّ يُنْصِتُ إِذَا تَكَلَّمَ الإِمَامُ، إِلَّا غُفِرَ لَهُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الجُمُعَةِ الأُخْرَى» (رواه البخاري)، زاد مسلم: «وَفَضْلُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ».
ومَنْ فرَّطَ في خيرات هذا اليوم فاته خيرٌ كثيرٌ، وَمَنْ ترَك الجمعةَ تهاوناً طَبَع اللَّهُ على قلبِه، وكان من الغافلين؛ قال عليه الصلاة والسلام: «لَيَنْتَهِيَنَّ أَقْوَامٌ عَن وَدْعِهِمُ الجُمُعَاتِ، أَوْ لَيَخْتِمَنَّ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ، وَلَيَكُونُنَّ مِنَ الغَافِلِينَ» (رواه مسلم)، ولِعَظيمِ حُرْمةِ تَرْكِها هَمَّ عليه الصلاة والسلام بإحراقِ بيوتِ مَنْ يفعلُ ذلك، وقال عليه الصلاة والسلام: «لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ آمُرَ رَجُلاً يُصَلِّي بِالنَّاسِ، ثُمَّ أُحَرِّقُ عَلَى رِجَالٍ يَتَخَلَّفُونَ عَنِ الجُمُعَةِ بُيُوتَهُمْ» (رواه مسلم).
وبعدُ، أيُّها المسلمون:
فللجُمُعةِ خصائصُ على سائر الأيَّام، وهو مِنحةٌ من اللَّه لهذه الأمة، وميدانٌ فسيحٌ للتنافس في الأعمال الصَّالحة، فعلى المسلم أن يُعَظِّمَه ويَعْتزَّ به، وأَنْ يتفرَّغَ فيه للعبادة، ويَصونَ نفسَه من كلِّ خطأٍ وإثم، ومَنِ اغْتَنَمَ هذا اليوم وُفِّقَ – بفضل اللَّه – سائرَ أيَّامِ الأسبوع.
أعوذ باللَّه من الشَّيطان الرَّجيم
﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لهُمُ الخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾.
بارك اللَّه لي ولكم في القرآن العظيم …
الحمد للَّه على إحسانه، والشُّكر له على توفيقِه وامتنانِه، وأشهد أن لا إله إلا اللَّه وحدَه لا شريك له تعظيماً لشأنه، وأشهد أنَّ نبيَّنا مُحمَّداً عبدُه ورسولُه، صلَّى اللَّه عليه وعلى آله وأصحابه وسلَّم تسليماً مزيداً.
أيُّها المسلمون:
الجمعةُ عيدُ المسلمين من كلِّ أسبوعٍ؛ لذا لا يُخَصُّ وحدَه بصوم؛ قال عليه الصلاة والسلام: «لَا يَصُوْمَنَّ أَحَدُكُمْ يَوْمَ الجُمُعَةِ؛ إِلَّا يَوْماً قَبْلَهُ أَوْ بَعْدَهُ» (متفق عليه).
ويومُ الجمعةِ لا يُخَصُّ بما لم يَرِد فيه فضْلٌ في الكتاب والسُّنَّة؛ قال عليه الصلاة والسلام: «لَا تَخْتَصُّوْا يَوْمَ الجُمُعَةِ بِصِيَامٍ، وَلَا لَيْلَتَهَا بِقِيَامٍ» (رواه مسلم).
وشرفُ هذا اليوم وجميعُ الدِّينِ إنَّما عُرِفَ من طريق النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، فهو الواسطةُ بيننا وبين اللَّه في الرِّسالة، ومن الوفاء للنَّبيِّ عليه الصلاة والسلام: اتِّباعُه دوماً والإكثار من الصَّلاة عليه يوم الجمعة؛ قال عليه الصلاة والسلام: «إِنَّ مِنْ أَفْضَلِ أَيَّامِكُمْ يَوْمَ الجُمُعَةِ؛ فَأَكْثِرُوا عَلَيَّ مِنَ الصَّلَاةِ فِيهِ، فَإِنَّ صَلَاتَكُمْ مَعْرُوضَةٌ عَلَيَّ» (رواه أبو داود).
ثمَّ اعلموا أنَّ اللَّه أمركم بالصَّلاة والسَّلام على نبيِّه …