انتظر قليلا 0%

خطبة الجمعة | الاستعداد لرمضان | ٢١ شعبان ١٤٣٢هـ



الاسْتِعْدَادُ لِرَمَضَانَ

أُلقيت يوم الجمعة، الحادي والعشرين من شهر شعبان، سنة اثنتين وثلاثين وأربع مئة وألف من الهجرة، في المسجد النَّبويِّ.

تحميل word   تحميل PDF 


إنَّ الحمدَ للَّه، نَحمدُه ونَستعينُه ونَستغفرُه، ونَعوذُ باللَّهِ من شرورِ أنفسِنا ومن سيِّئاتِ أعمالِنا، مَنْ يَهده اللَّهُ فلا مُضلَّ له، ومَنْ يُضْلِلْ فلا هَاديَ له، وأشهد أن لا إله إلَّا اللَّه وحدَه لا شريك له، وأشهد أنَّ مُحَمَّداً عبدُه ورسولُه، صلَّى اللَّه عليه وعلى آله وأصحابه وسلَّم تسليماً كثيراً.

أمَّا بعدُ:
فاتَّقوا اللَّه – عباد اللَّه – حقَّ التَّقوى، واستمسِكُوا من الإسلام بالعُرْوة الوُثْقَى.

أيُّها المسلمون:
تذهبُ اللَّيالي والأيامُ سِراعاً، والعامُ يطوِي شهورَه تِباعاً، وسنَّة اللَّه في كونه: قدومٌ وفوات، واللَّه أكرمَ عبادَه؛ فشرعَ لهم مواسم في الدَّهر تُغفَر فيها الذُّنوبُ والخطيئات، ويُتزوَّدُ فيها من الأعمال الصالحات.
وفي العام شهرٌ هو خيرُ الشُّهور، بعثَ اللَّه فيه رسوله وأنزل فيه كتابَه، يَرتقِبُه المسلمون في كل حولٍ وفي نفوسهم له بَهْجة، يُؤدُّون فيه ركناً من أركان الإسلام؛ يُفعلُ خالصاً، ويَتلذَّذُ فيه المسلم جائعاً، يُحقِّق العبدُ فيه معنى الإخلاص؛ لِينطلقَ به إلى سائر العبادات بعيداً عن الرياء، ثوابُ صومه لا حدَّ له من المُضاعفة؛ بل ذلك إلى الكريم، قال النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم: «قَالَ اللَّهُ عز وجل: كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ لَهُ إِلَّا الصَّوْمَ؛ فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ» (متفق عليه).
الصِّيامُ يُصلِحُ النُّفوس، ويَدفعُ إلى اكتساب المحامد والبُعد عن المفاسد، به تُغفَر الذُّنوب وتُكفَّرُ السَّيِّئات؛ يقول النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم: «مَنْ صَامَ رَمَضَانَ إِيمَاناً وَاحْتِسَاباً؛ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ» (متفق عليه).
شهرُ الطَّاعة والإحسان، والمغفرة والرِّضوان؛ قال النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم: «إِذَا دَخَلَ رَمَضَانُ: فُتِّحَتْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ، وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ جَهَنَّمَ، وَسُلْسِلَتِ الشَّيَاطِينُ» (متفق عليه).
فيه صبرٌ على حمأة الظَّمأِ ومرارة الجوع، ومُجاهدة النَّفس على زجرِ الهوى، جزاؤهم بابٌ من أبواب الجنَّة لا يَدخلُه غيرُهم، فيه تذكيرٌ بحال الجوعَى من المساكين والمُقتِرين، يستوي في الصَّوم المُعدِمُ والمُوسِر، كلُّهم صائمٌ لربِّه، مُستغفِرٌ لذنبه، يُمسِكون عن الطَّعام في زمنٍ واحدٍ، ويُفطِرون في وقتٍ واحد، يتساوون طيلةَ نهارهم بالجوع والظَّمأ؛ لِيتَحقَّقَ قولُ اللَّه في الجميع: ﴿إنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ﴾.
والقرآنُ العظيمُ أصلُ الدِّين وآيةُ الرِّسالة، نزل في أفضل الشُّهور: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ القُرْآنُ﴾، ونزولُه فيه إيماءٌ لهذه الأمة بالإكثار من تلاوته وتدبُّره، وكان جبريل عليه السلام يَنزلُ من السَّماء ويُدارِسُ فيه نبيَّنا مُحمَّداً صلى الله عليه وسلم، وفي العام الذي تُوفِّي فيه عَرَض عليه القرآنَ مرتين، وكان الإمامُ مالكٌ رحمه الله إذا دخل رمضانُ أَقْبلَ على تلاوة القرآن وتركَ الحديثَ وأهله.
وللصَّدقة نفعٌ كبيرٌ في الدُّنيا والآخرة؛ فهي تَدفعُ البلاء وتُيسِّرُ الأمور، وتجلِبُ الرِّزقَ وتُطفِئُ الذُّنوبَ كما يُطفِئُ الماءُ النَّار، وهي ظلٌّ لصاحبها يوم القيامة، والمالُ لا يَنقُصُ بالصدقة بل هو قرضٌ مضمونٌ عند الغنيِّ الكريم: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ﴾، يُضاعفُه في الدنيا بركةً ونقاءً، ويُجازيه في الآخرة نعيماً مُقيماً، قال النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم: «مَا مِنْ يَوْمٍ يُصْبِحُ العِبَادُ فِيهِ إِلَّا مَلَكَانِ يَنْزِلَانِ، فَيَقُوْلُ أَحَدُهُمَا: اللَّهُمَّ أَعْطِ مُنْفِقاً خَلَفاً، وَيَقُولُ الآخَرُ: اللَّهُمَّ أَعْطِ مُمْسِكاً تَلَفاً» (متفق عليه).
فتحسَّسْ دُورَ الفقراء والمساكين، ومساكنَ الأرامل والأيتام؛ ففي ذلك تفريجُ كربةٍ لك، ودفع بلاءٍ عنك، وإشباعُ جائعٍ، وفرحةٌ لصغير، وإعفافٌ لأسرةٍ، وإغناءٌ عن السُّؤال، والنَّبيُّ صلى الله عليه وسلم كان أكرمَ الناس وأجودَهم: إِنْ أنفقَ أجزلَ، وإِنْ منحَ أغدَقَ، وإِنْ أعطَى أعطى عطاءَ من لا يخشى الفاقَة، وكان يَستقبِلُ رمضان بفيضٍ من الجُود، وكان أجودَ بالخير من الرِّيحِ المُرسَلة، والمالُ لا يُبقِيه حرصٌ وشُحٌّ، ولا يُذهِبُه بذلٌ وإنفاق.
وليالي رمضان تاجُ ليالي العام؛ «مَنْ قَامَ رَمَضَانَ إِيمَاناً وَاحْتِسَاباً؛ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ» (متفق عليه)، ودُجاها ثمينةٌ بالعبادة فيها؛ قال النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم: «أَفْضَلُ الصَّلَاةِ بَعْدَ الفَرِيضَةِ: صَلَاةُ اللَّيْلِ» (رواه مسلم)، و«مَنْ صَلَّى مَعَ الإِمَامِ حَتَّى يَنْصَرِفَ؛ كُتِبَ لَهُ قِيَامُ لَيْلَةٍ» (رواه الترمذي)، وفيها ليلةٌ مضاعفةٌ هي أمُّ اللَّيالي – ليلةُ القَدْر والشَّرَف – خيرٌ من ألف شهر، وفي كل ليلةٍ يُفتَحُ بابُ إجابةٍ من السماء، وخزائنُ الوهَّاب ملأى، فسَلْ من جُود الكريم، واطلُبْ رحمةَ الرحيم، فرمضانُ شهرُ العطايا والنفحات والمِنَن والهِبات، وأعجزُ الناس من عجزَ عن الدعاء.
والأيامُ صحائفُ الأعمار، والسعيدُ من خلَّدها بأحسن الأعمال، ومَنْ نَقَلَهُ اللَّهُ من ذلِّ المعاصي إلى عزِّ الطاعة؛ أغناه بلا مالٍ، وآنسَه بلا أنيس، وراحةُ النفس في قلَّة الآثام، ومن عرفَ ربَّه اشتغلَ به عن هوى نفسه.
وبعضُ الناس أرخصَ لياليَه الثَّمينة باللَّهْوِ وما لا نفع فيه، فإذا انقضى شهر الصِّيام ربِح النَّاسُ وهو الخاسر، ومِنَ النَّاس مَنْ يصومُ وهو لا يُصلِّي، والصَّوم لا يُقبَلُ إلَّا بتوحيدٍ وصلاةٍ.
والمرأة مأمورةٌ بالإكثار من تلاوة القرآن، والذِّكر والاستغفار، والإكثار من نوافل العبادات، وصلاةُ التَّراويح في بيتها أفضلُ من أدائها في المساجد؛ قال عليه الصَّلاة والسَّلام: «وَبُيُوْتُهُنَّ خَيْرٌ لَهُنَّ» (رواه أبو داود).
وعليها بالسِّتْر والحياء، ومراقبةِ ربِّها في غَيبة وليِّها وشهوده، والصالحةُ منهنَّ موعودةٌ برضا ربِّ العالمين عنها، وتمسُّكُها بدينها، وسِترُها واعتزازُها بحجابها؛ يُعلِي شأنَها ويُعزِّزُ مكانَها، وهي فخرُ المجتمع وتاجُ العفاف وجوهرةُ الحياة.

أعوذ باللَّه من الشَّيطان الرَّجيم

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾.

بارك اللَّه لي ولكم في القرآن…


الخطبة الثَّانية

الحمد للَّه على إحسانه، والشُّكر له على توفيقِه وامتنانِه، وأشهد أن لا إله إلَّا اللَّهُ وحده لا شريك له تعظيماً لشأنه، وأشهد أنَّ نبيَّنا مُحمَّداً عبدُه ورسولُه، صلَّى اللَّه عليه وعلى آله وأصحابه وسلَّم تسليماً مزيداً.

أيُّها المسلمون:

مِن خير ما يُستقبَلُ به رمضان: مداومةُ الاستغفار، والإكثارُ من حَمْدِ اللَّه على بُلوغِه، والسَّابقون للخيرات هم السَّابقون إلى رفيع الدَّرجات في الجنَّة، فتَعرَّضُوا لأسباب رحمة اللَّه في شهره الكريم، وتنافَسوا في عمل البرِّ والخيرات، واستكثِروا فيه من أنواع الإحسان، وترفَّعوا عن الغِيبة والنَّميمة وسائر الخطيئات، ولا يفوتُك خيرٌ بسبب سهرٍ على غير طاعةٍ، ولا يصدُّك نوم عن عبادة، وإن استطعتَ أن لا يَسبِقَك إلى اللَّه أحدٌ؛ فافعل.

ثُمَّ اعلموا أنَّ اللَّه أمركم بالصَّلاة والسَّلام …